4 ـ يحفظ التوازن بين الدنيا والآخرة وبين المادّة والمعنى

July 22, 2013 in طريق الفلاح الأبدي

يعطي الإسلامُ الاعتدال والتوازن أهمية كبيرة فلا يَهتم بجانب على حساب الآخر وبما أن كلا الطرفين مخلوق من قبل الله تعالى والناس في حاجة إليهما فلا يكون من السليم إهمال أحدهما بالاهتمام بالآخر، بل يلزم إعطاء كل شيء حقه مع الاهتمام به قدر ما يستحق وبهذا المنظور يظهر أن الدنيا رأس مال الفوز بالآخرة وهي مِن هذه الجهة تُعدُّ نعمة قيّمة جداً علينا استخدامها في رضا الله تعالى وأما الآخرة فهي الغاية الرئيسية فلا ننسى ذلك ولا نلتفت إلى وجهات النظر التي تدعو إلى الإقبال على الدنيا فقط ولا إلى رأي الرهبانية المتوجهة إلى الآخرة دون الدنيا في تلبية احتياجات الإنسان، إذ لا نضحّي بإحداها في مقابل الآخر، بل لا بدّ من تنظيمهما ضمن إطار من التوازن الدقيق والتكامل.

ومن الأمثلة على هذا ما يلي: إعلان النبي صلى الله عليه وسلم في الأيام الأولى له في المدينة الأخوّة بين المسلمين حيث آخى بين كلِّ مَن هاجر إلى المدينة مِن مكة وكلِّ أنصاري في المدينة ومؤسسة الأخوّة هذه أسهمت في تمكين المسلمين من الفوز بالدنيا والآخرة مع بعضهم البعض إلى جانب فوائدها الجمَّة فكان الصحابة حين يصبحون يغدو أحدهم إلى عمله والآخر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فالذي ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ على جاره ما أخذه عن الرسول عليه الصلاة والسلام مِن الآيات والأحاديث مساءً وهكذا بالتناوب (البخاري، المظالم، 25؛ مسلم، الطهارة، 17)

وبالروح والبدن كلاهما تتكوّن وجهتي الإنسان، فحتى لو كانت الروح أصلاً فإن المادة هي مركبها، فعند توحدهما يمكن القيام بشيء ما وبناء عليه فمِن غير الصواب الاهتمام بالروح وترك البدن يبلى فعلى ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إنَّ مِن بين أول الأساسيّات التي سيُسأل عنها المرء يوم القيامة عن جِسْمِهِ فيما أبلاه.[1]

لقد أمر الإسلام بالتوازن حتى في العبادات كالصلاة والصيام والزكاة ولم يحبّذ نَمط حياةٍ تكثر فيها العبادة إلى حدٍّ يبعث بالملل[2] فعلى سبيل المثال يقول الله تعالى في شأن الإنفاق: {وَالِّذِيْنَ اِذَا اَنْفَقُوا لَم يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامَاً} (الفرقان، 67)

لا يميل المسلمون في أي أساس إلى الإفراط بل يتعقبون الاعتدال في كل شيء ولذا يقول الحق تعالى في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: {وكَذلِكَ جَعَلْنَاكُم أُمَّةً وَسَطَاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيْداً} (البقرة، 143)



[1]ـ الترمذي، القيامة، 1 / 2417 .

[2]ـ انظروا البخاري، الصوم 55، 56، 57، التهجد 7، الأنبياء 37، النكاح 1، 89؛ مسلم، الصيام 181 ـ 193؛ أبو داود، الصوم، 55 / 2428 .