1. الإنسان والكائنات والخالق

July 22, 2013 in طريق الفلاح الأبدي

يقول مولانا جلال الدين الرومي: “جاء أحد الثيران ذات يوم إلى بغداد عاصمة الحضارة في زمانها وتجول في البلد من أوله إلى آخره، ولكنه لم يلفت انتباهه من كل ذلك الجمال الرائع واللذائذ وروائع الفن والصناعة إلا قشور البطيح والشمام الملقاة على جانب الطريق، وبالفعل فإن اللائق بالثور والحمار إما التبن الملقى أو العشب النابت على جوانب الطرق”[1]

وأما نحن -بني البشر- فحريٌّ بنا ألا يَشغلنا الأكل والشرب واللهو في هذه الدنيا بل علينا أن نقف ونتأمل وننظر من أين أتينا، وإلى أين نحن ماضون، ونضع بعد ذلك وجهةً لحياتنا، وقبل كل شيء لا بد من التفكر العميق في خلْقنا وتكويننا البدني والعقلي والأوصاف المتفوقة التي نتمتع بها، والتأملِ في الكائنات، والبحثِ في تفاصيل ذلك كله فعندها تصير حياتنا أكثر معنىً.

على سبيل المثال: لنتأمل التراب! مع أنه يسقى بماء واحد تنبت فيه آلاف النباتات المتنوعة فتعطينا فواكه وخضراوات مختلفة الألوان والأشكال، وهي تقوم بذلك بنظام وترتيب كاملين. أوَليس التفاضل والاختلاف بين المأكولات التي تنمو من التراب والماء ذاته أمر يترك العقول في حيرة كبيرة؟[2]

ثم لنحوّل أعيننا إلى السماء ونشاهد النظام العظيم والمذهل: فالشمس مثلاً تبعد عن الأرض 150 مليون كيلو متر وهي نجم متوسط الحجم، وبالنظر إلى حجمها فإنها كبيرة بحيث يمكنها أن تضم داخلها 000 300 1 كوكبٍ مثل الأرض وتبلغ حرارة سطحها 6000 درجةٍ مئويةٍ وأما درجة حرارة باطن الشمس فتبلغ 20 مليون درجة مئوية. وهذه الشمس في يوم واحد تقطع مسافة تساوي 17 مليوناً و280 ألف كيلو متر تقريباً.

ويتحول فيها في كل ثانية 564 مليون طن من الهيدروجين إلى 560 مليون طن من غاز الهليوم، وأما المادة الغازية المتبقية المتوسطة والبالغة 4 مليون طن فتتفرق على شكل طاقة أي أن الشمس تفقد وتستهلك في الثانية 4 مليون طن وفي الدقيقة 240 مليون طن من المواد .فإن كانت الشمس تنتج بهذه السرعة الهائلة منذ 3 مليارات سنة هذا الكمّ من الطاقة تكون الكتلة التي فقدتها في هذه الفترة مليون طن ل 000 400 مليون مرة، ومع ذلك فهذه القيمة لا تبلغ إلا واحداً من 5000 من مجموع كتلة الشمس الحالية.

وأما بُعْدُ أرضنا عن الشمس الكتلة العظيمة ومصدر الطاقة الكبيرة فقد حسب بدقة عالية، وهذا البعد كائن على نحوٍ لا تتعرّضَ فيه الأرض للحرق والإبادة ولا تحرَمُ من الطاقة المفيدة التي توفرها لها الشمس، إن هذه الشمس بقوتها وطاقتها العظيمتين لَمَخْلُوقَة على نَحوٍ يتناسب مع ما تقدمه من فائدة لجميع المخلوقات على وجه الأرض وفي مقدمتهم الإنسان من فائدة وعلى شكلٍ يمكّنها من إرسال أشعتها إلى الأرض بحساب دقيق لملايين السنين.

 وهذه الشمس العظيمة التي تحدثنا عنها ما هي إلا واحد من بين 200 مليار من نجوم مجرّة درب التبّانة، ومجرّة درب التبّانة ليست إلا واحدة من مئات المليارات من المجرّات التي يمكن رؤيتها بالتلسكوب الحديث وللعبور من طرف مجرّة درب التبّانة إلى طرفها الآخر نحتاج إلى 100 ألف سنة ضوئية (يقطع الضوء في الثانية الواحدة 300.000 كم) ولبلوغنا مركز مجرّتنا فيما لو بدأنا من كوكبنا نحتاج إلى قطع مسافة تبلغ 300.000 تريليون كم.

ميكانيك السوائل:

عندما نتأمل في الطبيعة نرى أن كلاً من سباحة سمكة أو طيران طائر أو تحليق طائرة لا يتحقق إلا في إطار مبادئ معينة لميكانيك السوائل وهل يا تُرى قد لاحظ أحدنا عند جلوسه على شاطئ نهر أو بحر ليلقي عن كاهله أعباء الحياة أنّ تموجات الماء تحدث ضمن نظام معقّد؟ وما الذي يمكنه استخدام هذه المبادئ بثمرة أكبر أهي الطائرات الصناعية أم الحشرات الطائرة؟.

وأية مبادئ روعيت في تكوين جسم السمكة؟ وما الذي أكسبته أو ستكسبه لنا هذه القوانين التي نشاهدها في الطبيعة في مجال التقنية؟ فهل بإمكاننا توفير الوقود في الطائرات والسفن إن نحن تفحصنا الحوت وطائر السنونو؟ لماذا يتمكن البعوض من الوقوف فوق الماء من غير أن يغرق؟ وما هي الخاصّية الموجودة في ساق العنكبوت والتي تساعدها على القفز المفاجئ؟[3]

ثم إنَّ قلب السمكة وضع بحكمة بالغة في موضعٍ من جسمها يكون الضغط الناشئ معه عند سباحتها أقل ما يكون، وبهذا تكون الحكمة سهولة نبض القلب كلما زادت السرعة بسبب انخفاض الضغط. وأما عينها فمثبَتةٌ في مكان يُسهم في الحفاظ على مستوى الضّغط، وبهذا لا يطرأ أي تغيير في الضغط على عينيها أثناء سباحتها سواء كانت سريعة أو بطيئة.

لقد رأى كلنا الذباب في منزله وهي تقوم بحركاتها السريعة حيث باستطاعتها أن تُسرع وتُبطئ بغتة أوتبقى معلَّقة في الهواء أو تطير معكوسة بعد أن تدور رأساً على عقب وكذا بإمكانها أن تنزل من السقف على جهة الخلف.

إن الشقّ الذي نراه في بعض الحيوانات كذيل سمكة القرش والريش المفلطح الموجود على أجنحة النسر والزعنفة التي على شكل هلال الموجودة على ذيل الحوت كلها تُسهم في الفوائد الهيدروديناميكية أوالأيرودينامية ومما يزيد هذه النتيجة تقوّسُ أجنحة السنونو وسمك التون نحو الخلف واتخاذها شكل هلال ولذا فإن الناس يستفيدون من هذا التصميم في صُنْعِ الطائرات والسفن.

وحسب نتائج التشريح فقد اكتشفت أقنية موجودة على سمك القرش وشكل هذه الأقنية الصغيرة وطولها مثالِيّان يُسهم في تقليل الاحتكاك الحاصل في الماء المالح ويوفّر الطاقة في الحركة، إن آلية التزييت في مفاصل كل من الإنسان والحيوان من الروعة والغرابة بحيث عُجِز عن معرفتها تماماً إلى يومنا هذا مع وجود أنواع التشحيم الثلاثة في التقنية.

هناك أسماك مضادّة للتجمّد تعيش تحت درجة الصفر وأفاعٍ تتحرك في رمال الصحراء الساخنة وأسماك يمكنها تحمّل العطش في بقاع المدّ والجزر، وأما أسماك الفقمة (عجول البحر) فباستطاعتها الغوص مسافة 1600 متر، والضغط الموجود في هذا العمق يبلغ ضعف الضغط الذي يمكننا التعرّض إليه بــ 160 مرة، وإلى جانب هذا فإن كثيراً من الأمورِ التي تتعلق بحياة أسماك البحار العميقة تحت مثل هذا الضغط الشديد لا يزال مجهولاً لدينا.

إن بعض أفاع البحر تطرح النيتروجين الموجود في الدم من خلال جلدها أثناء غوصها لفترات طويلة في الأعماق وحين تصعد إلى سطح المياه لا تتعرّض للصدمة مع أنّ أكثر الغوّاصين بَراعةً لا يصعدون مِن الأعماق إلى سطح المياه إلا بعد الاستراحة عدة مرات ولوقت طويل.[4]

فكلّ إنسان يتأمّل ويتفكّر في المخلوقات من حوله يعي وجود خالقٍ له عِلم وقدرة غير متناهيتان وأنَّ خلْق الإنسان لم يكن عبثاً بل لهدف معين. وبهذا ووفْق ما توصّلت إليه الأبحاث فقد ثبت الإيمان بوجود ذاتٍ عظيمة قادرة على كل شيء في كل العقائدالبشرية ابتداءً مِن أديان القبائل البدائية ووصولاً إلى الأكثر تحضّراً.[5]

والأدلة على وجود الإله ووحدانيته كثيرةٌ جداً يمكن سرْد بعض الأمثلة التي باستطاعة كلّ أحد رؤيتها، ومِن بينها:

ـ تخلُّق الجنين وولادتُه ونموُه إلى أن يكون صاحب عقل وإدراك، والفرق بين ماهيّة المواد المتخلّق منها وحاله التي وصل إليها ما بعد الولادة.

ـ لمعانُ البرق الذي يوقِع الإنسان في الخوف والأمل، وهطولُ الماء من السماء منتظماً، يرافقه بعْث الحياة في التراب الميت.

ـ ثباتُ السموات والأرض ضِمْن نظام دقيق وخَلْقُ الكائنات غير المُحصاة فيهما.

ـ هبوب الرياح مبشّرةً بهطول الأمطار وسَوْقُها السُّحب إلى شتّى البقاع وتكوُّن الأنهار والبحار وعَوْمُ السّفن التي بحجم الجبال على سطح الماء حاملةً ثقل آلاف الغروستون)groston) وشَقُّ بواخر عظيمة تبلغ حجم مدنٍ صغيرة طريقاً لها تسلكه في المحيطات تحُطُّ عليها مئات الطائرات.[6]

ـ رِزق الكائنات جميعها مِن السماء والأرض.[7]

يقول مولانا: “يا بني، أيهما يكون مناسباً للعقل التفكير بأن المكتوب من كتابة مؤلِّفٍ أو أنه كتب من تلقاء نفسه؟ أيها الساذج، هل من المنطق المعقول التفكير بأن بِنَاء بيت ما تم دون معمار أو بَنَّاء أو أنه وجد من ذاته دون معمار أو بَنّاء؟، أتكون تحفة فنية مصنوعة من قبل رجل أعمى أعسر أو أنها من صنع رجل ذا يد ماهرة وعين مبصرة وحسٍّ عالٍ”.[8]

“المطرزات والرسوم كلها -سواء كانت تدرك أو لا- هي آثار صانعها، فصانع الفخار يعمل بالفخار، يعجن طينه ويشكله ثم يصنعه، هل الفخار يتوسع ويطول بنفسه من دون صانعه، والخشب مادة النجار يشكله بيده، ولو لم يكن كذلك أكان سيُقطع ويركب إلى خشب آخر؟

أنى لثوب أن يقاس ويحاك من دون أن تمتد إليه يد خياط؟.

أيها العاقل: لو لم يكن إناء الماء بيد الساقي كيف له أن يمتلأ ويفرغ لوحده؟ إنك أيضاً في تعبئة وتفريغ مع كل نفس!

فيا صاحب الحكمة! أنت في يد ذاك الخالق الكبير والصانع العظيم الذي لا مثيل له، فإن أتى عليك حين من الدهر رفعت فيه الستارة عن عينيك وحُلَّت عقد السر ستدرك يومها أن الفن يبدَّل من حال إلى أخرى في يد الصانع″[9]

ثم إنّه مِن المستحيل تفسير ظهور المخلوقات وتحرّكها في إطار مِن الانسجام والنّظام الدقيق على أنّه محض صُدفة؛ يقول الدكتور إدْوين كونْجلين: “إنَّ دعوى أنّ الحياة وجدت مصادفة كمَن يدّعي ظهور موسوعة عظيمة ومدهشة إثر انفجار حصل في مَطبعةٍ ما”[10]



[1] ـ المثنوي، ج، 4، البيت: 2377 ـ 2379. (بتصرف).

[2]ـ القرآن الكريم، سورة الرعد، آية: 4 .

[3]ـ أ. د. سامي بولاتوز، Tabiatta Mühendislik(الهندسة في الطبيعة)، إزمير 2004 .ص: 15 ـ 16

[4]ـ بولاتوز، المصدر السابق، ص:18، 42 .

[5]ـ البروفسور. د. جوناي تومر،الموسوعة الإسلامية لرئاسة الشؤون الدينية التركية، مادة ” الدين”، اسطنبول، 1994، IX، 315 ـ 317 .

[6]ـ الروم، 20 ـ 46؛ الشورى، 29، 32؛ يس، 33 ـ 41؛ البقرة، 22. إضافة إلى النظر إلى: إبراهيم، 32 ـ 33؛ الروم، 40، 48، 54؛ فاطر، 9؛ المؤمن، 61، 64، 79؛ الجاثية، 12؛ الطلاق، 12.

[7]ـ فاطر، 3.

[8] ـ المثنوي، جـ 6، البيت: 368 ـ 371.

[9] ـ المثنوي، جـ 6، البيت: 3332 ـ 3341.

[10]ـ The Evidence of God، الأدلة على الله، ص، 174؛ البروفسور، د، وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى، ص: 129.