يُعرف الدّين بأنه القانون والنّظام والطّريق المنظّم للعلاقات بين الإنسان وخالقه وباقي المخلوقات وعلى هذا التعريف يكون الدين مشتملاً على توجيهٍ مِن الله تعالى للإنسان يوضّح له فيه الطريق التي يجب عليه اتباعها في حياته قبل الموت، ويضع الدينُ بعض القواعد للإنسان حتى يعيش في هذه الدنيا مِن غير أنْ يُضِرَّ بأحد وأنْ يلتزم بِمَا لَهُ وما عليه ويُمضي هذه الحياة الدنيوية القصيرة على نحو لا يعرِّض فيه حياته الأخروية إلى الخطر والهلاك.
لقد خلق الله تعالى أنواعاً شتى من المخلوقات، ولكنّ الإنسان يختلف عنها في المكانة والمرتبة حيث أكرمه بصفات وقابليات متفوقة ليست موجودة فيمَا عداه كالعقل والإرادة والعلم والإدراك والسلطان والتملك والجبروت ولكنها كسلاح ذو حدّين.
وفي حال استخدمت الناحية الإيجابية لهذه الصفات فإنَّها تأتي على الكائنات بنظام متمكن وخير وفير وبركة كثيرة للإنسانية. وأما فيما لو استخدمت الناحية السلبية لهذه الصفات فإنّ نتائجها من الشر تكون بما لا يخطر على البال متسببة باضطرابات مُخيفة وكذا تفتح الطريق أمام ظلمٍ يبقِي العقول في دهشة وحيرة وتثمر حروباً مدمّرة.
ولذا فلا بد من قوة أخرى توجّه الصفات ومجموعة القابليات هذه وتضعها في إطارها الصحيح وتلك القوة هي الدين الحق ومن هنا كانت حاجة الإنسانية كلها إلى أن تدين لبارئها عز وجل بالاعتقاد الجازم بوجوده ووحدانيته وأن تدين له بالعبودية المطلقة في كل شؤونه وأطوار حياته، أي إن الله عز وجل ليس هو المحتاج إلى شيء من هذه الدينونة له أو التمسك بأمره، ولكن سعادتنا الدنيوية -فضلاً عن الأخروية- هي التي تحوجنا وتضطرنا إلى هذه الدنيوية.[1]
لقد أفادت جميع الشرائع السماوية أنْ على الإنسان معرفة ربه وأنه خُلِق لكي يكون عبداً لربه.[2]
ثم إن الأنبياء هم المكلفون بإبلاغ الناس هذا الدين ويصف الإسلام جميع الأنبياء والرسل بالصدق ويجعل الإيمان بهم من شروطه ووفق عقيدة الإسلام، فهناك تكامل بين الأنبياء كلهم، فكل نبي متأخر يقوم بتصديق المبعوثين مِن قبله ويبشر بالمرسلين مِن بعده. مما يعني أن من يصدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم يكون قد صدق نبوة جميع الأنبياء والمرسلين من قبله، قال حاطِبُ بن أبي بلتعة رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس حاكم الاسكندرية: “ إنّهُ قَدْ كَانَ رَجُلٌ قَبْلَك يَزْعُمُ أَنّهُ الرّبّ الْأَعْلَى، فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، فَانْتَقَمَ بِهِ ثُمّ انْتَقَمَ مِنْهُ فَاعْتَبِرْ بِغَيْرِك، وَلَا يَعْتَبِرْ بِك غَيْرُك، قَالَ هَاتِ قَالَ إنّ ذلِكَ دِينٌ لَنْ تَدَعَهُ إلّا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ الْكَافِي بِهِ اللهُ فَقْدَ مَا سِوَاهُ. إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدُّهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، فكل نبي أدرك قوماً فهم أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدرك هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به.“[3]
يبيّن الأستاذ الدكتور تيموثي جيانوتي العضو في جامعة محافظة بنسيلفانيا أن الذي يختار الإسلام ديناً لا يعني أنه محا دينه النصراني القديم بل إنَّ الدين النصراني ما هو إلا فترة تحضير للمرور إلى الإسلام وأن الإسلام هو الدين الأشمل الذي يضم مقاصد كل من المسيحية والإسلام وقال: “إن غاية الإسلام أن يجعل جميع البشرية لا فئة معينة منها شرفاءَ ومكرَّمين عند الله تعالى”
يوضح الحديث الشريف أن الأنبياء هم إخوة من أب واحد[4] ويبين أن الأديان السماوية جميعها مشتركة في المبادئ الأساسية أي أن الدين الحق هو نفسه من أول نبي وحتى آخِر نبي لم يختلف في أساسيات الإيمان وفي مبادئ الأخلاق؛ عدا بعض الاختلافات الحاصلة في شكل العبادات وأحكام المعاملات.
وبما أن الدين الحق واحد فمن المحقق وجود تشابه بين الأديان الإلهية على سبيل المثال: الإسلام يأمر بالصلاة وهناك عبارات تتكلم عن أركان الصلاة في الكتاب المقدس:
“هلمّوا لنسجد ولنصلْ إلى الركوع ولنركع أمام الرب الذي خلقنا”. (المزامير 95: 6)
“وكبّوا على وجوههم مع موسى وهرون”. (سفر الأعداد، 16: 20-22)
“وسارع موسى إلى السجود والعبادة”. (سفر الخروج، 34: 8)
“ويكبّ عيسى إلى الأرض … ودعى” (سفر متى 26: 39)
“وكبّ الحواريون إلى الأرض على وجوههم” (سفر متى 17: 6)
[1]– انظر: أستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، كبرى اليقينيات الكونية، دارالفكر، دمشق 1997م، ص: 64-69.
[2]ـ سفر الخروج، 20: 2 ـ 3، سفر التثنية، 6: 4 ـ 5، سفر متى، 4: 10، وظائف الرسل، 17 : 26 ـ 28، القرآن الكريم، سورة الذاريات، آية 56 .
[3]ـ لقراءة هذه المحادثة الطويلة كاملة انظروا: السهيلي، الروض الأنف، بيروت 1421، جـ 7، ص 514؛ ابن كثير، البداية، IV، 266 ـ 267؛ ابن حجر، الإصابة، III، 530، 531.
[4]– قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، وَالأَنْبِيَاءُ أَوْلاَدُ عَلَّاتٍ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ” (البخاري، الأنبياء، 48؛ مسلم، الفضائل، 145)