8. بعض من معجزاته عليه الصلاة والسلام

ثمة الكثير من المعجزات التي جرت على يديه عليه الصلاة والسلام،[1] ويأتي على رأس هذه المعجزات القرآن الكريم المتحدي جميع العصور فضلاً حياة النبي صلى الله عليه وسلم الكريمة وأخلاقه السنية كما ذكرناه مختصراً آنفاً، وفي الحقيقة فإنه لم يقم أحد باعتراض معتبر على حياة النبي صلى الله عليه وسلم المباركة وأخلاقه السامية، فعند البحث والتدقيق فيها يرى للعيان أنها معجزات عظيمة.

وفيما يلي بعض من معجزاته عليه الصلاة والسلام عدا ما ذكرنا:

عندما طلب منه كفار مكة آية تدل على صدق دعوته، دعا عليه الصلاة والسلام ربه تعالى فانشق القمر، ورؤيت هذه المعجزة من كل الأطراف، ولما انشق القمر نصفين رؤيَ نصفه من طرف جبل أبو قبيس والنصف الآخر من جبل قعيقعان.

وقد سأل مشركو قريش القوافل الآتية من أماكن بعيدة خارج مكة أرأوا هذه الحادثة أم لا، وهم أقروا بأنهم شاهدوا انشقاقه.[2]

كان في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جذع نخلة جاف يتكئ عليه أثناء الخطبة، وعندما كثر المسلمون احتيج إلى منبر ليقف عليه أثناء الخطبة، ولما صعد عليه الصلاة والسلام إلى المنبر صَاحَتِ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ، ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّنُ. قَالَ:

“كَانَتْ تَبْكِي عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَهَا”[3]

لما قدم بأسرى بَدْرٍ إلى المدينة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “افد نفسك يا عباس، وابني أخويك عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلّب، وحليفك عقبة بن عمرو، فإنّك ذو مال”، فقال العباس: “يا رسول الله، إنّي كنت مسلماً، ولكن القوم استكرهوني.” فقال صلى الله عليه وآله وسلم:

“الله أعلم بإسلامك، إن يكن ما قلت حقّاً فإنّ الله يجزيك به، وأمّا ظاهر أمرك فقد كان علينا، فافتد نفسك”، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ منه عشرين أوقية من ذهب أصابها معه حين أسر، فقال العباس: “يا رسول الله احسبها لي من فدائي”، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “ذاك شيء أعطانا الله منك”، فقال: “يا رسول الله، فإنّه ليس لي مال”، قال:

“فأين المال الذي وضعته بمكّة حين خرجت عند أم الفضل بنت الحارث، وليس معكما أحد، ثم قلت: إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، ولقثم كذا وكذا”، فقال العباس:

“والذي بعثك بالحق يا رسول الله، ما علم بهذا أحد غيري وغيرها، وإنّي لأعلم إنّك رسول الله”، ثم فدى نفسه وابني أخويه وحليفه. (أحمد، 1، 353؛ ابن سعد، 4، 13-15)

عن عُروة بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: جَلَسَ عُمَيْر بْنُ وَهْبٍ الجُمحي مَعَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بَعْدَ مُصاب أَهْلِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ -فِي الحِجْر- بِيَسِيرٍ، وَكَانَ عُمير بْنُ وَهْبٍ شَيْطانًا مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ، وَمِمَّنْ كَانَ يُؤذِي رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ، ويَلْقَون مِنْهُ عَنَاءً وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ ابنهُ وَهْبُ بْنُ عُمَيْر فِي أُسَارَى بَدْرٍ. فَذَكَرَ أصحابَ القَليب ومُصابهم، فَقَالَ صَفْوَانُ: “وَاَللَّهِ إنْ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ خيرٌ؟” قَالَ لَهُ عُمير: “صدقتَ وَاللَّهِ، أَمَا وَاَللَّهِ لَوْلَا دَيْن عليَّ لَيْسَ لَهُ عِنْدِي قَضَاءٌ، وعيالٌ أَخْشَى عَلَيْهِمْ الضَّيْعةَ بَعْدِي، لَرَكِبْتُ إلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى أقتلَه، فَإِنَّ لِي قِبَلَهُمْ عِلَّةً: ابْنِي أَسِيرٌ فِي أيديهم” قال: فاغتنمها صفوان وَقَالَ: “عليَّ دينُك، أَنَا أَقْضِيهِ عَنْكَ، وعيالُك مَعَ عِيَالِي أُوَاسِيهِمْ مَا بَقُوا، لَا يَسَعُني شَيْءٌ وَيَعْجِزُ عَنْهُمْ” فَقَالَ لَهُ عُمَير: “فَاكْتُمْ شأني وشأنك” قال: “أفعل” ثُمَّ أَمَرَ عُمير بِسَيْفِهِ، فشُحِذ لَهُ وسُمَّ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَدِم الْمَدِينَةَ فَبَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ، وَيَذْكُرُونَ مَا أَكْرَمَهُمْ اللَّهُ بِهِ، وَمَا أَرَاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، إذْ نَظَرَ عُمَرُ إلَى عُمَيْر بْنِ وَهْبٍ حِينَ أَنَاخَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ مُتَوَشِّحًا السيفَ، فَقَالَ:

“هذَا الْكَلْبُ عدوُّ اللَّهِ عُمَيْر بْنُ وَهْب، وَاَللَّهِ مَا جَاءَ إلَّا لشرٍّ. وَهُوَ الَّذِي حَرَّش بينَنا، وحَزَرنا لِلْقَوْمِ يَوْمَ بَدْرٍ”. ثُمَّ دَخَلَ عُمر عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: “يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ عُمَيْر بنَ وَهْب قَدْ جَاءَ متوشِّحًا سيفَه” قَالَ: “فأدخلْه عليَّ”،

فَأَقْبَلَ عمر حتى أخذ بحمَّالة سيفه فرط عُنقه فلبَّبه بِهَا، وَقَالَ لِرِجَالٍ مِمَّنْ كَانُوا مَعَهُ مِنْ الْأَنْصَارِ: “اُدْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاجْلِسُوا عِنْدَهُ، وَاحْذَرُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْخَبِيثِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ”، ثُمَّ دَخَلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُمَرُ آخِذٌ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ، قَالَ:

“أرسلْه يَا عُمَرُ، ادْنِ يَا عُمير؟” فَدَنَا ثُمَّ قَالَ: “انْعَمُوا صَبَاحًا”، وَكَانَتْ تحيةَ أهلِ الجاهليةِ بينَهم، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“فقد أَكْرَمَنَا اللَّهُ بتحيةٍ خَيْرٍ مِنْ تَحِيَّتِكَ يَا عُمير، بِالسَّلَامِ: تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ”. فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ إنْ كنتُ بِهَا لحديثُ عَهْدٍ. قَالَ: “فَمَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَيْرُ؟” قَالَ: “جِئْتُ لِهَذَا الْأَسِيرِ الَّذِي فِي أَيْدِيكُمْ فأحْسنوا فِيهِ”، قَالَ: “فَمَا بَالُ السيفُ فِي عُنُقِكَ؟” قَالَ: “قبَّحها اللَّهُ مِنْ سُيُوفٍ، وَهَلْ أغنتْ عَنَّا شَيْئًا؟” قَالَ: “اصدقْني، مَا الَّذِي جئتُ لَهُ؟” قَالَ: “مَا جئتُ إلَّا لِذَلِكَ” قَالَ:

“بَلْ قعدتَ أَنْتَ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فِي الحِجْر، فَذَكَرْتُمَا أصحابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ قُلْتَ، لَوْلَا دَيْنٌ عليَّ وَعِيَالٌ عِنْدِي لَخَرَجْتُ حَتَّى أقتلَ مُحَمَّدًا، فَتَحَمَّلَ لَكَ صَفْوَانُ بِدَيْنِكَ وَعِيَالِكَ، عَلَى أَنْ تَقْتُلَنِي لَهُ، وَاللَّهُ حَائِلٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ”، قَالَ عُمَيْر:

“أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَدْ كُنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُكَذِّبُكَ بِمَا كُنْتُ تَأْتِينَا بِهِ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْكَ مِنْ الْوَحْيِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَحْضُرْهُ إلَّا أَنَا وَصَفْوَانُ، فَوَاَللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُ مَا أَتَاكَ بِهِ إلَّا اللَّهُ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانِي للإِسلام وَسَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ”، ثُمَّ شَهِدَ شهادةَ الحقِّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

“فَقِّهُوا أَخَاكُمْ فِي دِينِهِ، وَأَقْرِئُوهُ الْقُرْآنَ، وَأَطْلِقُوا لَهُ أسيره”، ففعلوا. ثُمَّ قَالَ:

“يَا رسولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ جَاهِدًا عَلَى إطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ، شَدِيدَ الْأَذَى لِمَنْ كَانَ عَلَى دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تأذنَ لِي، فَأَقْدَمَ مَكَّةَ، فَأَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى رَسُولِهِ صَلَّى الله عليه وسلم، لَعَلَّ اللَّهَ يَهْدِيهِمْ” فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ حِينَ خَرَجَ عُمَيْر بْنُ وَهْبٍ، يَقُولُ:

“أَبْشِرُوا بِوَقْعَةٍ تَأْتِيكُمْ الْآنَ فِي أَيَّامٍ، تُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ بَدْرٍ”، وَكَانَ صَفْوَانُ يَسْأَلُ عَنْهُ الرُّكْبَانَ، حَتَّى قَدِمَ رَاكِبٌ فَأَخْبَرَهُ عَنْ إسْلَامِهِ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ أَبَدًا، وَلَا يَنْفَعَهُ بِنَفْعِ أَبَدًا. فَلَمَّا قَدِمَ عُمير مَكَّةَ، أَقَامَ بِهَا يَدْعُو إلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ نَاسٌ كثير. فَوَقَفَ عُمَيْرٌ عَلَي صَفْوَان، وَهُوَ فى الْحِجْرِ، فَقَالَ:

“أَبَا وَهْبٍ!” فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَ عُمَيْرٌ: “أَنْتَ سَيّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، أَرَأَيْت الّذِي كُنّا عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ حَجَرٍ وَالذّبْحِ لَهُ، أَهَذَا دِينٌ؟ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ، وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ” فَلَمْ يُجِبْهُ صفوان بكلمة.[4]

يقول جابر بن عبد الله:

“سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا وادياً أفيح (واسع) فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فأتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرَ شيئاً يستتر به، وإذا شجرتان
بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها فقال: “انقادي عليَّ بإذن الله”، فانقادت معه كالبعير المخشوش (المنقاد من أنفه) الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ
بغصن من أغصانها، فقال: “انقادي عليَّ بإذن الله”، فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمِنْصَف (نصف المسافة) بينهما لَأَمَ بينهما يعني جمعهما فقال: “التئما عليَّ بإذن الله” فالتأمتا. فخرجت أحضر (أجري) مخافة أن يحسَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقربي فيبتعد، فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفتة (نظرة إلى جنب)، فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا الشجرتان قد افترقتا فقامت كل واحدة على ساق، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف وقفة فقال برأسه هكذا -وأشار الراوي برأسه يميناً وشمالاً- ثم أقبل فلما انتهى إليَّ قال: “يا جابر هل رأيت مقامي؟”، قلت: “نعم يا رسول الله”، قال:

“فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصناً فأقبل بهما، حتى إذا قمت مقامي فأرسل غصناً عن يمينك وغصناً عن يسارك”… ففعلت ثم لحقته فقلت: “قد فعلت يا رسول الله فعمَّ ذاك؟”، قال:

“إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يُرَفه (يخفف) عنهما ما دام هذان الغصنان رطبين” … فقال: “يا جابر ناد بوَضوء”، فقلت: “ألا وَضُوء؟ ألا وضوء؟ ألا وضوء؟”، قال قلت: “يا رسول الله ما وجدت في الرَّكْب من قطرة”، وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله صلى الله عليه وسلم الماء في أشجاب له على حمارة من جريد (أعواد تعلق عليها أسقية الماء)، فقال لي: “انطلق إلى فلان بن فلان الأنصاري، فانظر هل في أشجابه (سقائه) من شيء؟” قال: فانطلقت إليه فنظرت فيها فلم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب منها (فم قربة قديم)، لو أني أفرغه لشربه يابسه. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: “يا رسول الله إني لم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب منها، لو أني أفرغه لشربه يابسه”، قال: اذهب فأتني به، فأتيته به فأخذه بيده فجعل يتكلم بشيء لا أدرى ما هو، ويغمزه بيديه، ثم أعطانيه، فقال: “يا جابر ناد بجفنة (قصعة)”، فقلت: “يا جفنة الركب”، فأتيت بها تُحمل، فوضعتها بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فى الجفنة هكذا، فبسطها وفرق بين أصابعه، ثم وضعها في قعر الجفنة، وقال: “خذ يا جابر فصب عليَّ وقل باسم الله”، فصببت عليه وقلت باسم الله، فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلأت، فقال:

“يا جابر ناد من كان له حاجة بماء”، قال: فأتى الناس فاستقوا حتى رووا .. قال: فقلت: هل بقي أحد له حاجة، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدَه من الجفنة وهي ملأى.

وَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُوعَ، فَقَالَ: “عَسَى اللهُ أَنْ يُطْعِمَكُمْ” فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً، فَأَلْقَى دَابَّةً، فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ، فَاطَّبَخْنَا وَاشْتَوَيْنَا، وَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا، فَدَخَلْتُ أَنَا وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، -حَتَّى عَدَّ خَمْسَةً- فِي حِجَاجِ عَيْنِهَا مَا يَرَانَا أَحَدٌ، حَتَّى خَرَجْنَا، فَأَخَذْنَا ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَقَوَّسْنَاهُ، ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَمِ رَجُلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ جَمَلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ كِفْلٍ فِي الرَّكْبِ، فَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ. (مسلم، الزهد، 74)

كان النبي صلى الله عليه وسلم حين يدعو لأحد بشيء يُرى أثر هذا الدعاء عليه إلى آخر عمره، حيث دعا لأبي هريرة رضي الله عنه بعدم نسيانه أي حديث يسمعه طول حياته، وبالبركة في العمر والمال والأولاد لأنس بن مالك، وبالحصول على البركة لبشير بن عقربة طوال حياته، وبالحياة المديدة لأبي اليَسَر حتى تستفيد منه الأمة الإسلامية، ونكتفي بذكر هاتين الحادثتين مثالاً على هذا:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ، ذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ:

“يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْهُ”، فَقَالَ:

“هُوَ صَغِيرٌ” فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ. وَعَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ إِلَى السُّوقِ، فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَيَلْقَاهُ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَيَقُولاَنِ لَهُ:

“أَشْرِكْنَا فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ دَعَا لَكَ بِالْبَرَكَةِ”، فَيَشْرَكُهُمْ، فَرُبَّمَا أَصَابَ الرَّاحِلَةَ كَمَا هِيَ، فَيَبْعَثُ بِهَا إِلَى المَنْزِلِ. (البخاري، الشركة، 13)

عَنِ الجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، ابْنَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، جَلْدًا مُعْتَدِلًا، فَقَالَ:

“قَدْ عَلِمْتُ: مَا مُتِّعْتُ بِهِ سَمْعِي وَبَصَرِي إِلَّا بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ خَالَتِي ذَهَبَتْ بِي إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي شَاكٍ، فَادْعُ اللَّهَ لَهُ”… فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، وَتَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، (البخاري، المناقب، 21-22)

ويقول أبو هريرة رضي الله عنه:

 كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّم فِي مَسِيرٍ، قَالَ: فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ قَالَ: حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا”. قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ، قَالَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ قُلْتُ:

“وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟” قَالَ:

“كَانُوا يَمُصُّونَهُ وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ”. قَالَ فَدَعَا عَلَيْهَا، قَالَ: حَتَّى مَلأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ، قَالَ: فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ:

“أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ” (مسلم، الإيمان، 44)



[1] ـ البيهقي، دلائل النبوة؛ أبو نعيم، دلائل النبوة؛ السيوطي، الخصائص الكبرى.

[2] ـ القمر، 1 ـ 3؛ البخاري، المناقب 27، مناقب الأنصار 38، التفسير 54/1؛ مسلم، المنافقين، 43، 47، 48؛ الترمذي، التفسير، 54/ 3286؛ أحمد، 1، 377، 413.

[3] ـ انظروا: البخاري، المناقب 25، الجمعة 26؛ الترمذي، الجمعة 10، المناقب 6؛ النسائي، الجمعة، 17؛ ابن ماجة، إقامة الصلاة، 199؛ الدارمي، المقدمة 6، الصلاة 202؛ أحمد، 1، 249، 267، 300، 315، 363. تحتوي هذه المصادر الآنفة الذكر على الكثير من المعجزات.

[4] ـ ابن هشام، 2، 306 ـ 309؛ الواقدي، 1، 125 ـ 128؛ ابن سعد، 4، 199 – 201؛ الهيثمي، 8، 284 – 286.