عطفه ورحمته
كان النبي صلى الله عليه وسلم ممتلئاً بالرحمة والشفقة اللتان تسعان المخلوقات كلها، يقول الله تعالى:
{لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ} (التوبة، 128)
فالقرآن الكريم يشهد على عطفه ورحمته بالبشر، مع أن عطفه على المؤمنين أكثر، ويوضح القرآن الكريم أن أصحابه عليه الصلاة والسلام كانوا يرأفون بالخلق جميعاً حتى أعداءهم، يقول تعالى:
{ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ}. (آل عمران 119)
كان النبي صلى الله عليه وسلم ذا رحمة مطلقة تشمل حتى الحيوانات والنباتات فضلاً عن البشر، وحين نقض المشركون العهد وخانوا المسلمين مرجحين بذلك القتال كان النبي صلى الله عليه وسلم قد شد رحاله بجيشه البالغ 000 10 متوجهاً إلى مكة، لَمّا سَارَ مِنْ الْعَرْجِ، فَكَانَ فِيمَا بَيْنَ الْعَرْجِ وَالطّلُوبِ، نَظَرَ إلَى كَلْبَةٍ تَهِرّ عَلَى أَوْلَادِهَا وَهُمْ حَوْلَهَا يَرْضَعُونَهَا، فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ جُعَيْلُ بْنُ سُرَاقَةَ أَنْ يَقُومَ حِذَاءَهَا، لَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ مِنْ الْجَيْشِ وَلِأَوْلَادِهَا. (الواقدي، المغازي، 2، 804)
دخل النبي صلى الله عليه وسلم حَائِطًا لِرَجُلٍ من الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ، فَقَالَ:
“مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ، لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟”، فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: “لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ” فَقَالَ:
“أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؟ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ” (أبو داود، الجهاد، 44/ 2549)
مر رسول الله ببعير قد لحق ظهره ببطنه قال:
“اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ، فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً” (أبو داود، الجهاد، 44/ 2548)
وعن سَوَادَة بْنَ الرَّبِيعِ، قَالَ: “أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ فَأَمَرَ لِي بِذَوْدٍ، ثُمَّ قَالَ لِي:
«إِذَا رَجَعْتَ إِلَى بَيْتِكَ فَمُرْهُمْ فَلْيُحْسِنُوا غِذَاءَ رِبَاعِهِمْ، وَمُرْهُمْ فَلْيُقَلِّمُوا أَظْفَارَهُمْ، لَا يَعْبِطُوا بِهَا ضُرُوعَ مَوَاشِيهِمْ إِذَا حَلَبُوا»”[1] (أحمد، 3، 484؛ الهيثمي، 5، 168، 259؛ 8، 196)
مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ يَحْلِبُ شَاةً فَقَالَ:
“أَيْ فُلَانُ، إِذَا حَلَبْتَ فَأَبْقِ لِوَلَدِهَا فَإِنَّهَا مِنْ أَبَرِّ الدَّوَابِّ” (الهيثمي، 8، 196)
إنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ رَضِيَ الله عَنْه مَرَّ بِقَوْمٍ قَدْ أَنَاخُوا بَعِيرًا فَحَمَّلُوهُ غِرَارَتَيْنِ ثُمَّ عَلَوْهُ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَطِعِ الْبَعِيرُ أَنْ يَنْهَضَ فَأَلْقَاهَا عَنْهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ الله عَنْه ثُمَّ أَنْهَضَهُ فَقَالَ: “إِنْ غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَأْتُونَ إِلَى الْبَهَائِمِ لَيَغْفِرَنَّ عَظِيمًا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
«إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوصِيكُمْ بِهَذِهِ الْعُجْمِ خَيْرًا أَنْ تَنْزِلُوا بِهَا مَنَازِلَهَا فَإِذَا أَصَابَتْكُمْ سَنَةٌ أَنْ تَنْحُوا عَنْهَا نِقيِهَا»” (ابن حجر، المطالب العالية، 2، 226/ 1978)
عفوه وتسامحه
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم عندما يقدر على محاسبة من كان قد تعرّض له بالكثير من الأذى يصفح عنه ويسامحه، بل إنه لم يكن ليمنن عليهم ما فعله حتى ولو بعبارة أو إشارة، لأن رسول الله لم يكن يريد لأحد أن يصاب بالأذى من المسلمين وغيرهم وإنما يتعامل مع الجميع بأدب عظيم وأخلاق سامية، وحين فتح مكة من دون إراقة دماء كان الذين عادوه بكل أنواع العداوة طيلة 21 سنة ماكثين ينتظرون حكمه، فسألهم: “ما تظنون أني فاعل بكم؟“ قالوا: “خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم”، فقال عليه الصلاة والسلام:
“أقول كما قال أخي يوسف: {لا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ اليَومَ يَغفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} اذهبوا فأنتم الطلقا” (انظروا: ابن هشام، 4، 32؛ الواقدي، المغازي، 2، 835؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى، 2، 142 – 143)
وأطلق على ذلك اليوم اسم يوم المرحمة …[2]
وقد عفا عليه الصلاة والسلام عن وحشي قاتل عمه حمزة رضي الله عنه يوم أحد وهند التي مضغت كبده،[3] واستفاد من هذا العفو هَبّار بْن الْأَسْوَدِ وهو المتسبب في وفاة ابنته عليه الصلاة والسلام بإيقاعها عن ظهر الدابة، حتى وصل به التسامح إلى حد منع فيه من استحقار خبار أو تعريضه لما فعل فيما مضى.[4]
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ هَرَبَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ أُمَّ حَكِيمِ بِنْتِ الْحَارِثِ امْرَأَةً عَاقِلَةً أَسْلَمَتْ، ثُمَّ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمَانَ لِزَوْجِهَا فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ، فَخَرَجَتْ فِي طَلَبِهِ وَقَالَتْ لَهُ: “جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَوْصَلِ النَّاسِ وَأَبَرِّ النَّاسِ وَخَيْرِ النَّاسِ وَقَدِ اسْتَأْمَنْتُ لَكَ فَأَمَّنَكَ”، فَرَجَعَ مَعَهَا، فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ:
“يَأْتِيَكُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا، فَلَا تَسُبُّوا أَبَاهُ، فَإِنَّ سَبَّ الْمَيِّتِ يُؤْذِي الْحَيَّ، وَلَا يَبْلُغُ الْمَيِّتَ” ، فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَبْشَرَ وَوَثَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ فَرِحًا بِقُدُومِهِ (الحاكم، 3، 269/ 5055)
عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ قَالَ: “قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ جِئْتُ مُهَاجِرًا: «مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ، مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ، مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ» فَقُلْتُ: «وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَدَعُ نَفَقَةً أَنْفَقْتُهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ مِثْلَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»” (الحاكم، 3، 271/ 5059؛ انظروا: الواقدي، 2، 851 – 853؛ الترمذي، الاستئذان، 34/ 2735)
وقد عفا النبي عن كثير من أمثال هؤلاء.
تواضعه
كان النبي صلى الله عليه وسلم إنساناً متواضعاً إلى أبعد الحدود، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: “أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ (يَوْمَ الْفَتْحِ)، فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ:
«هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ»” (ابن ماجة، الأطعمة، 30، الحاكم، 3، 50/ 4366)
كان عليه الصلاة والسلام لا يسمح للناس بالمغالاة فيه، يقول عليه الصلاة والسلام:
“لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَت النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ” (البخاري، الأنبياء، 48)
فهو الذي حفظ أمته من خطر تأليه البشر كما حدث في أقوام سابقة، ولذلك أضافَ كلمة “عبده” عند التصديق بنبوته.
ومن قبيل هذا أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام:
“لَا تَرْفَعُونِي فَوْقَ حَقِّي، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اتَّخَذَنِي عَبْدًا قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَنِي رَسُولًا” (الهيثمي، 9، 21)
كان عليه الصلاة والسلام -كما أخبر صحابته رضوان الله عليهم- يعود المرضى ويحضر الجنازة ويلبي دعوة العبيد، ويردف الناس على بعيره، ويأكل طعامه بوضعه على الأرض، ويلبس الخشن من اللباس، ويحلب الشاة، ويكرم الضيوف باعتناءه بهم وخدمته لهم وإكرامه إياهم، ولم يكن يتكبر ولا يبتعد عن المشي في حاجة أرملة أو فقير ومسكين حتى تُقضى حاجته.[5]
بساطته وزهده
عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم حياة متواضعة وبسيطة إلى أبعد الحدود، نقلت أمنا عائشة رضي الله عنها: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحٍ فِيهِ لَبَنٌ وَعَسَلٌ، فَقَالَ:
“شَرْبَتَيْنِ فِي شَرْبَةٍ، وَأُدْمَيْنِ فِي قَدَحٍ، لَا حَاجَةَ لِي بِهِ، أَمَا إِنِّي لَا أَزْعُمُ أَنَّهُ حَرَامٌ، أَكْرَهُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللَّهُ عَنْ فُضُولِ الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَتَوَاضَعُ لِلَّهِ، فَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ، وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللَّهُ، وَمَنِ اقْتَصَدَ أَغْنَاهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ أَحَبَّهُ اللَّهُ” (الهيثمي، 10، 325)
وعن الشِّفَاءِ ابْنَةِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنها قَالَتْ: “جِئْتُ يَوْمًا حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ وَشَكَوْتُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ يَعْتَذِرُ إِلَيَّ وَجَعَلْتُ أَلُومُهُ، قَالَتْ: ثُمَّ حَانَتِ الصَّلَاةُ الْأُولَى فَدَخَلْتُ بَيْتَ ابْنَتِي وَهِيَ عِنْدَ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ، فَوَجَدْتُ زَوْجَهَا فِي الْبَيْتِ فَجَعَلْتُ أَلُومُهُ وَقُلْتُ: حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَأَنْتَ هَاهُنَا. فَقَالَ: يَا عَمَّةُ لَا تَلُومِينِي كَانَ لِي ثَوْبَانِ اسْتَعَارَ أَحَدُهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي أَنَا أَلُومُهُ وَهَذَا شَأْنُهُ، فَقَالَ شُرَحْبِيلُ: إِنَّمَا كَانَ أَحَدُهُمَا دِرْعًا فَرَقَّعْنَاهُ” (الحاكم، 4، 58/ 6892)
وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها:
“إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف” (الترمذي، الشمائل المحمدية، ص: 365)
وفي حديث آخر عن عائشة رضي الله عنها:
“ما رَفع رسول الله صلى الله عليه وسلم قطّ غداء لعشاء ولا عشاء قطّ لغداء ولا اتخذ من شيء زوجين، لا قميصين، ولا ردائين، ولا إزارين، ولا من النعال، ولا رئي قطّ فارغا في بيته إما يخصف نعلاً لرجل مسكين أو يخيط ثوباً لأرملة.” (ابن الجوزي، صفة الصفوة، القاهرة، 1421، 1، 78)
نظافته ولياقته
لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام الذي يأمر بجعل الثياب نظيفة والاهتمام بترتيب الشعر واللحية ولا يحبذ الشعر الأشعث واللحية غير الممشطة. فقد كان عليه الصلاة والسلام غاية في النظافة والجمال، يقول أبو هريرة رضي الله عنه:
“مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ” (أحمد، II، 380، 350)
لم يكن عليه الصلاة والسلام يتفوه بأية كلمة نابية مما يستخدمه الناس، ويقول عليه الصلاة والسلام:
“مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ” (الترمذي، البر، 62/ 2002)
وكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّيْءُ لَمْ يَقُلْ: “مَا بَالُ فُلَانٍ يَقُولُ؟” وَلَكِنْ يَقُولُ:
“مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا؟“ (أبو داود، الأدب، 5/ 4788)
اهتمامه بالنساء وإعطاؤهن قيمة كبيرة
وُجدت حقوق خاصة بالنساء وفق ما أمر الله تعالى ورسوله، فأضحت المرأة مثال على العفة والفضيلة في المجتمع، ولاقت مؤسسة الأمومة الشرف، وقد حصلت المرأة على المرتبة التي تستحقها بقوله عليه الصلاة والسلام:
“الجنة تحت أقدام الأمهات”[6] لم يضرب النبي عليه الصلاة والسلام أياً من زوجاته طيلة حياته ولا أحداً غيرهن.[7] لأن الله تعالى يقول:
{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} (النساء، 19)
كرمه وجوده
كان عليه الصلاة والسلام في غاية الكرم، مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، عَنْ أَنَسٍ: “أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ:
«أَيْ قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَوَاللهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ»” (مسلم، الفضائل، 57 ـ 58. انظروا: أحمد، 3، 107 ـ 108؛ الواقدي، 2، 854 ـ 855)
والخلاصة أنه لا يمكن حصر أخلاقه الحسنة عليه الصلاة والسلام بالتحدث عنها، يقول ابن حزم:
“من أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها؛ فليقتد بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليستعمل أخلاقه وسيره ما أمكنه، أعاننا الله على الإتساء به بمنه”[8]
[1] قوله: بِذَوْدٍ، أي: بِنُوق. قوله: “غذاء رباعهم”، الرباع، بكسر الراء: جمع رَبْع، وهو ما ولد من الإبل في الربيع، وقيل: ما ولد في أول النتاج، وإحسان غذائها، أي: لا يُسْتَقْصى حلب أُمهاتِها إبقاءً عليها. قوله: “لا يعبطوا”، من عبط الضرع كضرب- بالعين المهملة- إذا أدماه.
[2] ـ الواقدي، 2، 822؛ علي المتقي، الكنز، رقم: 30173.
[3] ـ البخاري، المغازي، 23؛ مسلم، الأقضية، 9.
[4] ـ الواقدي، 2، 857 ـ 858.
[5] ـ انظروا: الترمذي، الجنائز، 32 / 1017؛ ابن ماجه، الزهد، 16؛ النسائي، الجمعة، 31؛ الحاكم، المستدرك، 1، 129 / 205؛ 2، 506 / 3734؛ 4، 132 / 7128؛ الهيثمي، 9، 20.
[6] ـ انظروا: النسائي، الجهاد، 6؛ أحمد، 3، 429؛ السيوطي، 1، 125.
[7] ـ ابن ماجة، النكاح، 51.
[8] ـ ابن حزم، الأخلاق والسير، بيروت، 1399، ص: 24.