يقول علماء الإسلام: “تبْلُغ الطرقُ المؤدية إلى الله عددَ نَفَسِ المخلوقات” أي أنَّ مِنْ حق كل إنسان إقامة اتّصال مع الله تعالى مباشرة، وباستطاعة كل إنسان التوجّه إلى الله بعباداته وأدعيته وطلب المغفرة منه فإنْ أقبل على الله بصميم قلبه وجدَه معه.
يحثّ الله تعالى عباده على الدعاء والتوبة دائماً ويخبرهم بأن رحمته واسعة ولذا يجيب الدعاء ويقبل التوبة منهم واستجابة الدعاء والعفو عن المعاصي بيد الله فقط لأنه الوحيد صاحب القدرة فليس بإمكان أي مخلوق استخدام السلطات الخاصة بالله تعالى، فمن الشرك جعل الصفات الخاصة بالله تعالى لأيٍّ من مخلوقاته.
إنَّ مواضيع العقيدة ذات جِدِّية وحساسية لأقصى الحدود وإن فكرة التصرّف فيها كنسبةِ صفةٍ خاصةٍ بالله تعالى إلى عباده أو محاولةِ حصرها وتقييدها فكرةٌ بالغة الخطورة وجالبة لغضب الله تعالى وقد نُقلَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا حديثاً بهذا الشأن:
عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين فَكَانَ أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يوماً على ذنب فقال له أقصر، فقال: خَلِّنِي وَرَبِّي، أبُعِثْتَ عليّ رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أَكُنْتَ بي عالماً أو كنت على ما في يدي قادراً؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار قال أبو هريرة والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته” (أبو داود، الأدب، 43 / 4901، أحمد، جـ 2، ص. 323. انظر: مسلم، البرّ، 137)
وينبغي ألا نفهمَ من هذا الحديث أنَّ الإنسان في ارتكاب المعاصي يكون معذوراً.
إذاً يفترض بنا الانتباه إلى مدى خطورة أبعاد التكلّم بجهالة في حقِّ الله وتكوين معتقدات خاطئة عن الله تعالى.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم في حالٍ صعب جداً في غزوة أحد حيث تفرّق أصحابه وجُرِح وجهه وكُسِرت رباعيته المباركة وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: “كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟” فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (آل عمران، 128) (البخاري، المغازي، 21؛ مسلم، الجهاد والسير، 104؛ الترمذي، التفسير، 3 / 3002-3003)
وعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِأَسِيرٍ فَقَالَ: “اللهُمَّ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ، وَلَا أَتُوبُ إِلَى مُحَمَّدٍ”، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
“عَرَفَ الْحَقَّ لِأَهْلِهِ” (أحمد، 3، 435؛ الحاكم، المستدرك، 4، 284، رقم: 7654)
ومن اللافت للنظر قول سيدنا عيسى عليه السلام: “وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ، وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ”[1] (الموطّأ، الكلام 8؛ ابن أبي شيبة، 6، 340 / 31879)
إنَّ كلّاً مِن الدعاء والتوبة والعبادة لا يَلزم أداؤها بوجود رجل دينٍ كما هو الحال في بعض الأديان الأخرى، وعلى كل مسلم أن يحصِّل معرفة كافية بالدين لنفسه، فعندما يجتمع المسلمون لأداء الصلاة يقدّمون للإمامة أكثرهم معرفة وفضلاً وتنبني وظيفة علماء المسلمين على توضيح أسس الدين وتعليمها وإنارة عقول الناس بتبيين الطريق السَّوي من خلال الوعظ والإرشاد والنصح فقط لا غير فليست لهم سلطة الوَساطة بين الله والعبد بقَبول توبة أحدهم أو دعاءه.
[1]ـ يُرِيدُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْظُرُ فِي ذُنُوبِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُثِيبُ عَلَى حَسَنِهَا وَلَا يُعَاقِبُ عَلَى سَيِّئِهَا وَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِيهَا رَبُّهُ الَّذِي أَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَيُثِيبُهُ عَلَى حَسَنِهَا وَيُعَاقِبُهُ عَلَى سَيِّئِهَا وَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ فِي عُيُوبِ نَفْسِهِ لِيُصْلِحَ مِنْهَا مَا فَسَدَ وَيَتُوبُ مِنْهَا عَمَّا فَرَّطَ (الباجي، المُنتقى شرح الموطأ، مصر 1332، 7، 311)