وهي فعل يفتتح بالتكبير ويُنهى بالسلام، ويتضمن كلاماً مخصوصاً،[1] ولقد أمر الله تعالى بالوضوء وتنظيف البدن واللباس والمكان لبعض العبادات كالصلاة والطواف وقراءة القرآن، وعند تدقيقنا في أحكام الوضوء والغسل يمكننا رؤية مقدار الأهمية المُعطاة للنظافة المادية في الإسلام إلى جانب المعنوية، وإن كتب الفقه تبدأ بأبواب الطهارة، وهذا يعني أن إحدى فوائد الصلاة منحُها المصلي حياة نظيفة.
ومن ناحية أخرى فإن الصلاة تنهى المرء عن الفحشاء والمنكر والبغي، وتمنعه من الانغماس في الشهوات والغرائز وإشباعها دون حدود،[2] وبما أنها تُؤدّى خمس مرات في اليوم لذا تُعَدُّ الدواء الأكثر فعالية ضد شهوات النفس التي تُنسي صاحبها الله تعالى، إلى جانب أنها تكبح زمام النزعات والرغبات وتحثّ على الاستقامة في كل شأن. وبهذا فإن المؤمن عندما يصلي طلباً لرضا الله تعالى يقوم بإصلاح حياته الدنيوية والأخروية، وفي الوقت نفسِه يقي نفسَه من الشر وغرائز النفس.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ قَالَ:
“إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا تَقُولُ” (أحمد، 2، 447)[3]
إن الصلاة تغرس في الأذهان حقيقةَ أنَّ الله تعالى ينفرد بالحاكمية في الأرض، وتجعل الإنسان يشعر بذلك دائماً، إن إقامة الصلوات الخمس المكتوبة في اليوم الواحد تريح الناس بتخليصهم من أعباء المشاغل الشخصية، وتبعدهم عن كل أنواع الهموم الدنيوية في مدة وجيزة، وتسهم في زيادة معاني الاستسلام والشكر والرضا لخالقهم العظيم، وفي الوقت نفسه فإن الإنسان عند سجوده يصبح وجهاً لوجه مع نفسه ويجد فرصة للتوجه إلى العالم الداخلي، يقول مات سالسمان الذي اختار الإسلام فيما بعد وكان في السابق من المبشرين: “حينما أصلي أجد الطمأنينة والسكينة، وبالأخص في صلاة الجمعة وصلاة الجماعة في المسجد، فتلك الأوقات كانت بالنسبة لي أوقات خاصة تمد روحي بالسكينة والطمأنينة”
ويقول الدكتور تيموثي جيانوتي: “كأنني عندما أنحني للسجود أجد السلام، وأشعر أن نفسي أكثر أمناً، وكأنني في أجواء سلام، وعندما أسجد أشعر بأني عائد إلى منزلي من طريق طويل، وقد يكون كالوصول إلى الله تعالى، وأنا عاجز عن التعبير عن ذلك بأكثر من هذا، إن الصلاة هي عبارة عن شعور براحة وسلام وسكينة”.[4]
إن الصلاة كما أنها الغذاء المعنوي للروح هي علاج مادي للبدن أيضاً. إن تحريك الصلاة لمختلف الأعضاء وثنيها للمفاصل وشدها وإرخائها للعضلات، كل هذا يبعث الحيوية وهذه حقيقة معروفة. ومن طرف آخر فإن الصلاة عامل توازن في حياة المسلمين، وهذه العبادة المؤدّاة يومياً في أوقات معينة ضمن قواعد معلومة، تعوّد الناس على حياة من الانضباط والتوازن.
وبإمكان المسلمين تأدية صلاتهم على نحو فردي أينما شاؤوا، لكن الإسلام يحثهم على تأديتها مجتمعين في مكان واحد، إذ إن الصلاة مع الجماعة تقوي شعور الانتماء إلى الأمة حين تعبد الله تعالى في صفٍّ واحدٍ لا يشوبه فوارقُ من عرق ولون ولغة ومكان وموقع، مع اتحاد وتعاون واجتماع. ففي جو الجماعة المتشاركة في الفكر والهدف ذاته تستقر في القلوب مشاعر الأخوة وتحيا حماسةٌ دينيةٌ تتجاوز الفروق بين الأفراد مرحلة مهمة.
وفي الحقيقة فإنّ الصلاة في أوقاتٍ خمس يومياً قليلة للغاية بالنسبة للإنسان وهي وظيفة سهلة جداً في التطبيق، فالوقت الذي تأخذه تأدية الفريضة ليس إلا أربعاً وعشرين دقيقة ضمن الأربع وعشرين ساعة حيث يبتعد الإنسان عن المشاغل الدنيوية ويجلس بين يدي ربه، وهذه التضحية الضئيلة تعود على الإنسان بالكثير من الفوائد المادية والمعنوية.
[1] ـ يظن بعض الناس أن المسلمين عند تأديتهم الصلاة يعبدون الكعبة، وهذا ليس إلا من الظن الخاطئ، فالمسلمين لا يعبدون الكعبة أو الحجر الأسود بأي شكل من الأشكال، ولا يسجدون للحجر الأسود ولا يتوجهون له في صلاتهم، فما يتوجه إليه المسلمون في صلاتهم ليس بناء الكعبة بل الساحة المتواجدة فيها الكعبة، فلو أزيلت الكعبة أو هدمت على أن ترمم لن تتغير قبلة المسلمين. (البروفسور. د. محمد. حميد الله، مدخل إلى الإسلام، ص: 108)
[2] ـ العنكبوت، 45.
[3] ـ لقد كتب مراد بيرسال في السابع عشر من شباط عام 2009 في جريدة ستار مقالاً تحت عنوان “الصلاة تمنع الجريمة”، يقول فيها أنه يعتقد “أن معدل الجريمة في المدن التي تؤدى الصلوات فيها في المساجد ينخفض بالقياس على المدن التي لا تؤدى فيها الصلوات”، وأنه يبحث في هذا الشأن، وحسبما أفاده:
على سبيل المثال: ففي إحصائيات معدل حوادث الجنايات لكل فرد، كانت العشرين دولة الأولى، (في الألف):
1. كولومبيا (0. 61) 2. جنوب أفريقيا (0. 49) 3. جامايكا (0. 32) 4. فنزويلا (0. 31) 5. روسيا (0. 20) 6. المكسيك (0. 13) 7. استونيا (0. 107) 8. لاتفيا (0. 103) 9. ليتوانيا (0. 102) 10. روسيا البيضاء (0. 098) 11. أوكرانيا (0. 094) 12. بابوا غينيا الجديدة (0. 083) 13. قرغزستان (0. 0802) 14. تايلاند (0. 800) 15. مولدوفا (0. 078) 16. زمبابوي (0. 074) 17. سيشل (0. 073) 18. زامبيا (0. 070) 19. كوستاريكا (0. 060) 20. بولونيا (0. 056).
إن هذه الدول جميعها تقريباً ما عدا قرغزستان تبلغ نسبة المسيحيين القاطنين فيها 100% تقريباً.
ثم إن نسبة الميول إلى الجناية في الإحصائيات التي تشمل جميع أنحاء العالم يظهر أن الدول التي تؤدى فيها الصلوات تقل النسبة فيها عن التي لا تؤدى فيها الصلوات، هل العالم مدرك لهذه الحقيقة؟ أجل، يتم الآن إجراء دراسات وأبحاث جدية تتعلق بانخفاض معدل الجريمة في بلاد المسلمين، انظروا: Cordova, Ana; “An Examinational Causes of Low Murder Rates in Islamic Societies”: American Society of Criminology
وهم يقومون بهذه الأبحاث بجهد كبير ومتواصل وحتى لو أنهم لم يتحدثوا عن ذلك علانية ولم يذكروه بصوت مرتفع، وفي الحقيقة هم لا يربطون ذلك بالصلاة، ربما سيقوم البعض منهم فيما بعد ذلك بقياس نسبة الجرائم في المناطق المحيطة بالمساجد في مدن كلندن وباريس، نرجو ذلك. وفي اعتقادي نتائج هذه الدراسات تجعل العالم يفكر!
[4] ـ يمكن الاطّلاع على الكتاب التالي فيما يتعلق بحكاية الذين دخلوا في الإسلام فيما بعد. البروفسور . د. علي كوسا،
Conversion to ıslam: A Study of Native British Converts، London: Keagan Paul ınternational، 1996.