3. الزكاة، والصدقة، والإنفاق وحِكَمُها

والزكاة عبارة عن إعطاء الأغنياء المالكين نصاب الزكاة مقداراً معيناً يبلغ 2.5% من أموالهم للفقراء والمساكين والعاملين على جمع الزكاة والمؤلفة قلوبهم والعبيد الذين يعملون لتحرير رقابهم من الرق والمدينين وكل من يعمل في سبيل الله وابن السبيل. (التوبة، 60)

وتُعدُّ الدواب والمحاصيل الزراعية من أموال الزكاة، وكلّ منها مقدّرة بحسبها، فزكاة المحاصيل الزراعية العُشُر، وكلمتا الصدقة والإنفاق -وإن كانتا تستعملان بمعنى الزكاة الواجبة في بعض المواطن في النصوص- فإنهما تفيدان معنى مساعدة المحتاجين نافلةً على الأغلب.

إن الزكاة تقي الحياة الاجتماعية بحيلولتها دون طغيان الأغنياء وانخداعهم بأموالهم، وتمنع من أن يُضْمِر الفقراء في قلوبهم مشاعر سلبيةً من حقد وحسد للأغنياء. وتحقق الترابط في المجتمع وتنشر المحبة والوئام وتقرب الفجوة بين الفقراء والأغنياء إلى حد كبير، وتتغلب على كثير من المضارِّ الناجمة عن هذه الفجوة، وإذا أردنا أن نضرب لذلك مثالاً فإن الخليفة عمر بن عبد العزيز لما أرسل عماله إلى إفريقيا رجع عماله دون أن يوزعوا أموال الزكاة لأنهم لم يجدو من يستحق أخذ الزكاة لذلك قام الخليفة بشراء العبيد بأموال الزكاة وأعتقهم[1].

إن الزكاة جسر بين الناس من مختلف المستويات، وموحِّد لصفوف المجتمع، ولذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

“الزَّكَاةُ قَنْطَرَةُ الْإِسْلَامِ” (الطبراني، المعجم الأوسط، 8، 380)

ثم إن الثواب الذي تكسبه الزكاة لمؤديها أكبر من السعادة التي تلحقها بالفئة المتضررة في المجتمع. وفي الحقيقة فإن الزكاة التي تفيد معنى النظافة والنقاء والزيادة والبركة تنقّي الإنسان من بعض أمراض القلوب ومن الشرور، وتجعل البركة في المال بتنظيفه.[2] إن عبادة الزكاة تهذِّب مشاعر التّملك وحبّ المنفعة والمصلحة لدى الإنسان.

والزكاة أداء للشكر الواجب على أصحاب الأموال والثروات مقابل ما مَنَّ الله عليهم من نعمه، ويَعِدُ الله تعالى بأنه سيزيد من نعمه إن أدّى الإنسان شكرها، ومن كفر نعمَه فسيلحقه عذاب شديد.[3]

وثمة فوائد اقتصادية مفيدة جداً للزكاة؛ كانتقال الثروات على الدوام، واستثمارها، ووفرة الإنتاجية، وتحريك السوق، وتنشيط البيع والشراء.

وبالزكاة أيضاً تُفتح الأبواب إلى أعمال الخير، بمدّ يد العون إلى العاملين في سبيل الله تعالى، كما تُهيّئ لتطور وتقدم العلم بمساعدة طلاب العلم.

وإعطاء الزكاة أفضل من أخذها، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عَنه حَكِيم بْن حِزَامٍ رضي الله عنه أنه قال:

“الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ” (البخاري، الزكاة، 18؛ مسلم، الزكاة، 94-97، 106، 124)

ولذا يحاول المسلمون الراغبون بالارتقاء إلى مراتب أعلى أن يبذلوا جهداً كبيراً حتى يكونوا هم اليد التي تعطي، وبالنتيجة فإن الناس يكتسبون العزم على العمل والكسب بتخلصهم من البطالة والكسل.

وفي حال لم تؤدَّ الزكاة انقلبت جميع هذه الأمور وظهرت أضرار جسيمة على الصعيدين الفردي والجماعي. إن داء البخل الذي لم يُعالج بتأدية الزكاة يجر إلى عذاب في الآخرة كما أنه يترك صاحبه يتخبط في بلاء وضنك من العيش، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

“من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزميه يعني شدقيه ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك” ثم تلا {لا يحسبن الذين يبخلون} الآية. (آل عمران، 180) (البخاري، الزكاة، 3؛ الترمذي، التفسير، 3 / 3012)

لقد أخبرنا الصادق المصدوق بأنه سيصيب الناس المحن والبلاء حين يُنظر إلى الزكاة على أنها عبء ثقيل في الجتمع، وتُهمَل من المجتمع بمرور الوقت،[4] ولقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم مرة في حديث عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال:

“…وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا…” (ابن ماجه، الفتن، 22؛ الحاكم، المستدرك، 4، 583 / 8623)



[1] ـ انظروا: البوطي، فقه السيرة، بيروت 1980، ص: 434.

[2] ـ التوبة، 103؛ سبأ، 39.

[3] ـ إبراهيم، 7.

[4] ـ الترمذي، الفتن، 38/ 2210، 2211.