إن الماء هو الوسيلة الأكثر ضرورة لتنظيف المحيط وتوفير النظافة، والأكثر من ذلك فإن استمرار الحياة مرتبط بالماء، لأن الماء فيه حياة، وهو أصل كل شيء حيٍّ، يقول الله تعالى في الآية الكريمة:
{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} (النور، 45؛ الأنبياء، 30)
قد جعل الله تعالى في الماء ميزات متنوعة، ومنها ما يلي:
1) إن المركَّب الأقرب إلى الماء هو كبريتيد الهيدروجين H2S مع أنه أثقل من الماء بضعفين فإنه يكون بخاراً في حرارة الغرفة، بالإضافة إلى أنه غاز ذو رائحة سيئة وسامة، ما يعني أن الله تعالى خلق الماء خصيصاً للإنسان.
2) إن الماء عندما يكون في أكثر أحواله كثافةً يكون مائعاً في درجة 4 + على عكس نظائره من المركبات الكيميائية التي تكون ثخينة أي لا تكون في حالة مكعبات الثلج، وبهذا الشكل فإن المياه في البحار والأنهار والبحيرات يبدأ التجمد فيها من السطح ممتداً إلى القعر وليس العكس، وهذا يحول دون تجمد المخلوقات البحرية بالماء المتجمّد على السطح.
3) ثم إن درجة تجمد الماء وغليانه هي الأنسب لعيش المخلوقات العضوية فيه من حيث درجات الحرارة.
4) إن لتقاطب الماء ميزة تجعله يحلُّ الكثير من المواد العضوية وغير العضوية.
يشير القرآن الكريم في مواضع كثيرة إلى الماء، حيث يتحدث عن كيفية تشكّل المطر ومراحل تحوّل السُّحب إلى المطر وإنزاله إلى الأرض بقدر معين وإحيائه الأرض الميتة، ويتكلم عن المياه الباطنية وتكرير الماء وتنقية الماء الملوث.[1] ويلفت الأنظار إلى أن كل ذلك يعدُّ نعماً كبيرةً، والله تعالى يطلق على المطر اسم الرحمة.[2]
إن أكثر من يدرك قيمة الماء هم المسلمون، فيدعون لمن يكرمهم بتقديم الماء إليهم: “جعلك الله عزيزاً كالماء”، ولذا يلقى خدام الماء احتراماً كبيراً، وبالأخص مقدّمي الماء والعصير في البيت الحرام إلى الحجاج فإن فيه شرفاً كبيراً وهي وظيفةٌ مهمةٌ.
كان للعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم كرم عنب، فكان قبل الإسلام وبعده يحمل العنب الجاف من هناك ويضعه في زمزم ثم يقدمه للحجاج، وواصل أبناؤه وأحفاده القيام بذلك من بعده.[3]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ: “اسْقِنِي”، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ: “اسْقِنِي”، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ:
“اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ” ثُمَّ قَالَ: “لَوْلاَ أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ، حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ” يَعْنِي: عَاتِقَهُ، وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ. (البخاري، الحج، 75)
ويبين النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة تقديم الماء للناس فيقول:
“يصف الناس يوم القيامة صفوفاً ثم يمر أهل الجنة فيمر الرجل على الرجل من أهل النار فيقول: يا فلان أما تذكر يوم استسقيت فسقيتك شربة؟ قال: فيشفع له ويمر الرجل على الرجل فيقول: أما تذكر يوم ناولتك طهوراً؟ فيشفع له ويمر الرجل على الرجل فيقول: يا فلان أما تذكر يوم بعثتني لحاجة كذا وكذا فذهبت لك؟ فيشفع له” (ابن ماجة، الأدب، 8)
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بأن يكون الماء نظيفاً وعذباً، فيرجح الآبار ذات المياه العذبة،[4] وكان عليه الصلاة والسلام يحظر تلويث الماء.[5]
وإن الإسلام يشترط في ماء الوضوء كونه نظيفاً، ويمنع استخدام الماء الذي تغيرت أوصافه من طعم أو لون أو رائحة.
وبما أن للماء هذه الأهمية العظيمة فيلزمنا استخدامه بحقّه، لقد أجرى العالِم الياباني الدكتور ماسارو إموتو أبحاثاً حول بلّورات الماء ولاحظ انتظامها وجماليتها وتركيبتها السّداسية إلى جانب جمال شكلها البالغ في الروعة حدّاً يُسْحر به الإنسان في منابع الماء الطبيعية التي لم تصل إليها يد إنسان.
ملأ وعاءين من هذا الماء ثم شرع بتجربته، فلاحظ أن الماء الموجود في الإناء الأول وقد قام بالهمس له بألفاظ تفيد الامتنان والدعاء لم تفقد بلّلوراته روعتها الطبيعية، وأما الإناء الآخر الذي تلقى ألفاظاً قبيحة كالشيطان وغيره من الألفاظ فقد وجد بلّلوراته قد تفتت وفسدت أشكالها وفقدت كل ميزاتها الجمالية.
وفي التجربة نفسها كانت ردَّات فعل المياه مختلفة مقابل الموسيقى الجميلة واللطيفة والإيقاعات المزعجة والبشعة. أجريت تجارب مشابهة لهذا على الأرز المطهو وعلى الأزهار فبقيت التي لاقت تصرفاً جيداً طازجة وأما الأخرى فذبلت وفسدت.
أما أيجيب د. إموتو: على سؤال: “ما مدى تأثير التفكير السليم والجميل والمعاملة الجيدة للماء على جسم الإنسان؟” فيقول: “هذه حصيلة بحث استمر 7.5 أعوام، فلقد كان للمياه التي أسمعناها كلاماً جميلاً ولطيفاً تأثيراً واضحاً وإيجابياً في معالجة مرضى السرطان وأشباههم الذين سقيناهم منه”
وفي هذا الصدد يكون من الواجب علينا أن نحب جميع الناس والحيوانات والنباتات والبيئة وباختصار كل الدنيا ومن ثم التعامل معها كلها بالحسنى.
وثمة أمر آخر لا بد من ذكره ههنا ألا وهو عدم الإسراف في الماء وغيره: يقول الحق تعالى:
{وَكُلُوْا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوْا} (الأعراف، 31)
{اِنَّ الْمُبَذِّرِيْنَ كَانُوْا إِخْوَانَ الشَّيَاطِيْن}. (الإسراء، 27)
{وَلَا تُسْرِفُوا اِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِيْنَ} (الأنعام، 141)
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف:
“كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَلا مَخِيلَةٍ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُرَى أَثَرُ نِعَمِهِ عَلَى عَبْدِهِ” (البخاري، اللباس، 1)
ولا سيما الماء فلا يجوز إسرافه بأي شكل من الأشكال، لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر على سعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ فقال:
“لا تسرف” قال: “وهل في الماء إسراف؟” قال:
“نعم ولو كنت على نهرٍ جار” (ابن ماجه، الطهارة، 48؛ أحمد، 2، 221)
فإذا كنا مطالبين بعدم الإسراف حتى في الوضوء للعبادة، يكون من الواضح منع الإسراف في سائر الأحوال.