1. نزوله وكتابته

إن القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية المنزّلة، وأما نزوله فلم يكن جملة بل منجماً على حسب الكثير والعديد من الحوادث والحِكم، مما أسهم في استفادة المسلمين من الكثير من الفوائد والتسهيلات.

كان رسولنا الأكرم عليه الصلاة والسلام يتعجّل قراءة الآيات المنزلة إليه بالوحي فيقرأها مع جبريل الأمين مخافة نسيانها، فأنزل الله تعالى في هذا الشأن:

{وَلَا تَعْجَلْ بِالقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمَاً} (طه، 114)

{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ فِإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ثُمَّ إَنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه} (القيامة، 16 – 18)

وبعد هذا فقد كان النبي يستمع إلى الوحي حتى يفرغ جبريل عليه السلام، فإذا بلّغ جبريل عليه السلام الوحي السماوي بأكمله حفظه عليه الصلاة والسلام وتلاه، وهذا من إحدى الدلائل على كون القرآن معجزة.

كان للنبي صلى الله عليه وسلم العديد من كتّاب الوحي، حيث بلغ عددهم 65، فإذا جاء الوحي استدعى عليه الصلاة والسلام من كان قادراً منهم ليكتبوا ما أتى به الوحي،[1] وهم بدورهم يكتبون الآيات المنزلة على مواد مُعَدَّة للكتابة في ذلك العهد، وبعد فراغهم من الكتابة يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من كَتَبَتِه قراءة ما كتبوه حيث يصحح الأخطاء إنْ وجدت. وبعد ذلك يخرج كاتب الوحي ويعرِض ما كتبه على الناس.[2] وعقب ذلك يقرأ الرسول صلى الله عليه وسلم الآيات المنزَّلة على الصحابة الرجال منهم أولاً ثم النساء.[3] فيحفظ المسلمون الوحي المنزَّل، ويحتفظ بعضهم بنسخ مكتوبة منه.

وأما ترتيب الآيات المنزَّلة منجَّمة على مراحل حسب أماكنها وسورها فكان يعرَّف من الحق تعالى، حيث يُعلِم جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، وبدوره عليه الصلاة والسلام يعلم كتبة الوحي بذلك.[4]

ثم إن علينا أن لا ننسى أن من الآيات التي أنزلت أولاً كانت موضوعها المدح والثناء على “القلم” و“ما يسطرون” واللذان يُعدَّان واسطة في التعرّف على العلوم البشرية، مع التأكيد على كلمة “كتاب” والتي تعني المعارف المسجلة والمخطوطة،[5] إذاً وهذا من إحدى العوامل التي أسهمت في حفظ القرآن الكريم بكتابته.

كانت كتابة القرآن الكريم منتشرة انتشاراً واسعاً لدى الصحابة رضوان الله عليهم، إذ كان الجميع متشبثاً بها، فمن يجهل الكتابة يَأْتِي بِوَرَقَةٍ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُومُ الرَّجُلُ فَيَحْتَسِبُ فَيَكْتبُ، ثُمَّ يَقُومُ آخَرُ فَيَكْتُبُ حَتَّى يُفْرَغَ مِنَ الْمُصْحَفِ[6] ولذا فقد منع النبي صلى الله عليه وسلم كتابة القرآن والحديث في مكان واحد خشية الاختلاط.[7]

فحفظ وتسجيل الآيات الكريمة بدأ في فترات الإسلام الأولى بل مع المحن الكثيرة التي قاساها المسلمون تحت وطأة ظلم قريش، وفي مجتمع ما يزال في طور النشوء.

وقد تحدثت الآيات 11-16 من سورة عبس عن وجود الكثير من نصوص القرآن الكريم المكتوبة في صدر الإسلام، وقد أخبر ابن عباس رضي الله عنه أن الآيات المنزلة في مكة كُتبَت فوراً.[8] مع العلم بأنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم في صدر الإسلام بعد قراءته شيئاً من القرآن الكريم مكتوباً على صحيفة.[9] ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد سلَّمَ رافع بن مالك رضي الله عنه في بيعة العقبة نسخة من نصوص القرآن فيها الآيات والسور المنزَّلة إلى ذلك الوقت، فأصبح رافع رضي الله عنه بعد عودته إلى المدينة يقرأ هذه الآيات والسور على المسلمين المجتمعين في المسجد الذي أسَّسه في حيِّه وبات يُعرف بأول مسجد فكان أول من أَوْصَلَ سورة يوسف إلى المدينة.[10]

إن آيات القرآن الكريم وسوره المنزلة كانت منذ اليوم الأول وما زالت تتلى بالسر والعلانية ليلاً ونهاراً في الصلوات المؤداة فرضاً كانت أو نفلاً، وبالأخص في صلاة التهجد الطويلة، إذ كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يقيمون فيما بينهم فعاليات وأنشطة كبيرة تشمل القراءة والكتابة وتعلّم القرآن الكريم وحفظه. وبذلك فإن الكثير من الناس حفظ وكتب القرآن الكريم من أوله إلى آخره بفضل النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه الجهود المباركة لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا بل زادت.

ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام وجبريل كانا يدارسان القرآن الكريم فيقرأ كل منهما للآخر في شهر رمضان، وقاما بذلك مرتين في السنة الأخيرة.[11] يقول ابن مسعود رضي الله عنه: “…ولقد كنت أعلم أنه يُعْرَضُ عليه القرآنُ في كل رمضان، حتى كان عامُ قُبض فعرض عليه مرّتين، فكان إذا فرغ أقرأ عليه، فيخبرني أني محسنٌ” (الطبري، I، 28؛ أحمد، 1، 405)

وبعد عرض القرآن الكريم آخر مرة مع جبريل عليه السلام قرأ النبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت وأُبَيّ بن كعب القرآن الكريم كل منهم للآخر حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأه على أُبَيّ مرتين،[12] وعادة العرض هذه والقراءة من الطرفين كل منهما للآخر استمرت إلى يومنا هذا وبقيت محافظة على حيويتها.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ الآيات والسور المنزلة عليه في خطب الجمعة بين الحين والآخر، ويفيد بعض الصحابة أنهم حفظوا بعض السور من تكرارها في هذه الخطب.[13]

إننا عند تأملنا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم نراه يقرأ القرآن الكريم في عدة أحوال، حيث كان يقرأه حينما يحدّث الناس عن الإسلام، وفي أوقات مُجالسته لأصحابه الكرام، إلى جانب قراءته لآيات متعلقة بمسألة يبينها لهم، وفي صلاة الليل، إضافة إلى التزامه قراءة سبع القرآن كل يوم.[14] وكان أصحابه يقومون بالأمر نفسه، يقول أوس بن حذيفة: “كُنْتُ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْلَمُوا مِنْ ثَقِيفٍ مِنْ بَنِي مَالِكٍ، أَنْزَلَنَا فِي قُبَّةٍ لَهُ، فَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْنَا بَيْنَ بُيُوتِهِ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ انْصَرَفَ إِلَيْنَا، فَلَا يَبْرَحُ يُحَدِّثُنَا وَيَشْتَكِي قُرَيْشًا، وَيَشْتَكِي أَهْلَ مَكَّةَ ثُمَّ يَقُولُ: “لَا سَوَاءَ، كُنَّا بِمَكَّةَ مُسْتَذَلِّينَ أَوْ مُسْتَضْعَفِينَ، فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ عَلَيْنَا وَلَنَا”، فَمَكَثَ عَنَّا لَيْلَةً لَمْ يَأْتِنَا حَتَّى طَالَ ذَلِكَ عَلَيْنَا بَعْدَ الْعِشَاءِ. قَالَ: قُلْنَا: “مَا أَمْكَثَكَ عَنَّا يَا رَسُولَ اللهِ؟” قَالَ: “طَرَأَ عَليَّ حِزْبٌ مِنَ الْقُرْآنِ، فَأَرَدْتُ أَنْ لَا أَخْرُجَ حَتَّى أَقْضِيَهُ”. فَسَأَلْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَصْبَحْنَا، قَالَ: قُلْنَا: “كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ؟” قَالُوا: “نُحَزِّبُهُ سِتَّ سُوَرٍ، وَخَمْسَ سُوَرٍ، وَسَبْعَ سُوَرٍ، وَتِسْعَ سُوَرٍ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ سُورَةً، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ سُورَةً، وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ مِنْ ق حَتَّى تَخْتِمَ” (أحمد، 4، 9؛ ابن ماجه، الصلاة، 178)

وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ (مسلم، المسافرين، 142)

قدم وفد قبيلة كندة في السّنة العاشرة مِن الهجرة يضمّ ستين أو ثمانين رجلاً، مثلوا في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام:

“إن الله بعثني بالحقِّ، وأنزل عليّ كتاباً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، أثقل في الميزان من الجبل العظيم، وفي الليلة الظلماء مثل نور الشهاب”، قالوا: “فأسمعنا منه”، فتلا رسول الله صلى الله عليه وآله:

{وَالصَّافَّاتِ صَفّاً} حتى بلغ {وَرَبُّ المَشَارِقِ}، ثم سكت وسكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسكن روعه، فما يتحرك منه شيء، ودموعه تجري على لحيته. فقالوا: “إنا نراك تبكي، أفمن مخافة من أرسلك تبكي؟!” قال:

إن خشيتي منه أبكتني، بعثني على صراط مستقيم، في مثل حدِّ السيف، إن زغت عنه هلكت، ثم تلا:

{وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} (الإسراء، 86)وعلى إثر هذا أسلم وفد قبيلة كندة.[15]

وعن أَنَس بْنَ مَالِكٍ، قال: “أَقْبَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمًا فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يُقْرِئُ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ عَلَى بَطْنِهِ فَصِيلٌ مِنْ حَجَرٍ يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ مِنَ الْجُوعِ” كَانَ شُغْلُهُمْ تَفَهُّمَ الْكِتَابِ وَتَعَلُّمَهُ، وَنَهَمَتُهُمُ التَّرَنُّمَ بِالْخِطَابِ وَتَرَدُّدَهُ، شَاهِدُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ (أبو نعيم، حلية الأولياء، 1، 342)

لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يطلب من أصحابه أن يقرؤوا عليه من القرآن الكريم بين الحين والآخر، ويقول لمن يمسك عن ذلك احتراماً: “إنِّي أحبُّ أن أسمعَه من غيري” (البخاري، التفسير، 4/ 9؛ مسلم، المسافرين، 247)

وقد تجد من بين الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان مَن يقرأ القرآن كله في ليلة واحدة،[16] يبين عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبِي: “لَأَغْلِبَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى الْمَقَامِ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ تَخَلَّصْتُ إِلَى الْمَقَامِ حَتَّى قُمْتُ فِيهِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا رَجُلٌ وَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، قَالَ: فَبَدَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَرَأَ حَتَّى خَتَمَ الْقُرْآنَ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ أَخَذَ نَعْلَيْهِ، فَلَا أَدْرِي أَصَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ شَيْئًا أَمْ لَا” (أبو نعيم، حلية الأولياء، 1، 56)



[1] ـ البروفسور د. محمد مصطفى الأعظمي، تاريخ القرآن، ص: 106-107؛ كُتّاب النبي صلى الله عليه وسلم، بيروت 1398.

[2] ـ انظروا: البخاري، فضائل القرآن، 4؛ الترمذي، المناقب، 74 / 3954؛ أحمد، 5، 184؛ الهيثمي، 1، 152.

[3] ـ سيرة ابن إسحاق، ص: 128.

[4] ـ البخاري، التفسير، 2/ 45؛ أبو داود، الصلاة، 120 – 121/ 786؛ الترمذي، التفسير، 9/ 3086؛ أحمد، 4، 218؛ علي المتقي، 2، 16/ 2960.

[5] ـ العلق، 1 – 5؛ القلم، 1؛ البقرة، 2؛ الزخرف، 2؛ الدخان، 2.

[6] ـ انظروا: البيهقي، السنن الكبرى، بيروت: دار الكتب العلمية، 1424، 6، 27.

[7] ـ البروفسور. د. م. م. الأعظمي، تاريخ القرآن، ص: 107 – 108.

اهتم النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً فيما يتعلق بتفريق أحاديثه الشريفة عن الآيات الكريمة، فكان يوضح ذلك بقوله عن القرآن الكريم أنه “كلام الله تعالى المنزل” وعن أحاديثه “هذا من عندي”، وفي بعض الأحيان كان الصحابة يسألونه “هذا الرأي أهو عائد إليك؟”. (للاطلاع انظروا: م. حميد الله، تاريخ القرآن الكريم، ص: 15 – 18).

[8] ـ ابن الضُّريس، فضائل القرآن، دمشق 1408، ص: 33.

[9] ـ ابن هشام، 1، 369 – 371.

[10] – انظروا: ابن حجر، الإصابة، رقم: 2546 (مادة رافع بن مالك)؛ ابن كثير، البداية، 3، 152؛ ابن الأثير، أسد الغابة، 2، 157؛ الكتّاني، التراتيب، بيروت، دون تاريخ، 1، 44؛ الأعظمي، المرجع السابق، ص: 106؛ حميد الله، المرجع السابق، ص: 44.

[11] ـ البخاري، بدأ الخلق 6، فضائل القرآن 7، الصوم، 7.

[12] ـ المقدمتان، نشر A، jeffery، ص: 74، 227؛ طاهر الجزائري، التبيان، ص: 26.

[13] ـ مسلم، الجمعة، 34، 49 – 52.

[14] ـ انظر: مسلم، المسافرين، 142؛ أحمد، 4، 9؛ ابن ماجه، الصلاة، 178؛ ابن هشام، 1، 381.

[15] ـ انظروا: ابن هشام، 4، 254؛ أبو نعيم، دلائل النبوة، 1، 237 – 238، الحلبي، 3، 260.

[16] ـ الترمذي، القراءات، 11/ 2946؛ الهيثمي 9، 94؛ ابن سعد، 3، 76؛ أبو نعيم، الحلية، 1، 57؛ أحمد، الزهد، ص: 127؛ علي المتقي، 13، 31 / 36168 ـ 36170؛ السمعاني، الأنساب، 5، 282؛ عبد الحي اللكنوي، إقامة الحجة، 64.