6. يجعل العدالة فوق كل شيء

إنَّ الله تعالى عادل لا يظلم أحداً ولو بمثقال ذرة فإحدى أسماءه الحسنى تعني أنه ذو عدالة مطلقة وهي الاسم الشريف العدل[1] ولذا فإنه يطلب من عباده العدالة التامة، يقول الله تعالى: {يا اَيُّهَا الَّذِيْنَ اَمَنُوا كُوْنُوا قُوَّامِيْنَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وِلَوْ عَلَى اَنْفُسِكُم اَو الْوَالِدَيْنِ وَالْاَقْرِبِيْنَ} (النساء، 135)

لقد أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنْ لا نتخلّى عن العدل في الغضب والحلم ووعد مَن قَدَرَ على ذلك بجزاءٍ وفيرٍ.[2]

ثمّ إنّ الإسلام يأمر المسلمين بالعدل حتى مع أعداءهم. يقول تعالى: {يَا اَيُّهَا الَّذِيْنَ اَمَنُوا كُوْنُوا قَوَّامِيْنَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى اَلَّا تَعْدِلُوا اِعْدِلُوا هُوَ اَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة 8)

كان سهيل بن عمرو خطيبَ قريش وكان يتكلم بالسوء في حق الإسلام على الدوام ويثير الناس على المسلمين فوقع أسيراً في يد المسلمين في غزوة بدر فقال سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

“يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَنْزِعْ ثَنِيَّتَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَيَدْلَعُ (يخرج) لِسَانَهُ، فَلَا يَقُومُ عَلَيْكَ خَطِيبًا فِي مَوْطِنٍ أَبَدًا!”

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

“لَا أُمَثِّلُ بِهِ فَيُمَثِّلُ اللَّهُ بِي وَإِنْ كُنْتُ نَبِيًّا.” (سيرة ابن هشام، 2، 293)

وعندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلمين ألحقوا الضرر بحيوانات ونباتات الطرف المعادي في حصار خيبر غضب بشدّة ونهاهم عمّا فعلوه. (أبو داود، الخراج، 31 – 33 / 3050)

إنّ الديالكتيك أو المواجهة الوحيدة في الإسلام تكون بين الظالم والمُدافع عن المظلوم وذوو العدل والمدافعين عن العدالة وفي القرآن الكريم:

{فَلَا عُدْوَانَ اِلَّا عَلَى الظَّالِمِيْنَ} (البقرة، 193)

يمكن لإنسان يحترم حقوق الآخرين سواء كان مسلماً أو غير مسلم العيش في مجتمع مسلم. ولكن إنْ ظلم مسلماً ولم يحترم حقوق الآخرين فمن المسؤولية مواجهته مما يعني أن محور الفرق بيننا وبين الآخرين في المستوى الاجتماعي هو الظلم والعدالة.

وثمة مثال تاريخي يوضح المستوى الذي ارتقى إليه المسلمون في العدل: وهو أن هرقل جمع الجمع للمسلمين، وحين بلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم فقال أهل حمص: لولايتكم أحب إلينا ما كنا فيه من الظلم والجَور ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم، ونهض اليهود فقالوا: والتوراة لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلا أن نغلب ونجهد وأغلقوا الأبواب وحرسوها، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود وقالوا: إن ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا إلى ما كنا عليه وإلا فإنا على أمرنا ما بقي للمسلمين عدد، فلما هزم الله الكفرة وأظهر المسلمين فتحوا مدنهم وأخرجوا المقلِّسين فلعبوا وأدوا الخراج.[3]



[1]ـ الترمذي، الدعوات، 82 / 3507 .

[2]ـ الهيثمي، I، 90، أبو نعيم، الحلية، II، 343، VI، 268 ـ 9.

[3]ـ البلاذري، فتوح البلدان، بيروت 1988، ص: 139.