الإنسان مخلوق اجتماعي خِلقةً؛ لا يمكنه العيش وحيداً، فهو بحاجة إلى أشخاص آخرين يأنس بهم، وإلى جانب هذا فإنه خلق ضعيفاً فهو ليس قوياً بما يكفي لتلبية جميع احتياجاته بنفسه، ولذلك يجب أن يعيش الناس في مجتمع ويتعاونوا فيما بينهم ويؤدوا ما تستلزمه عبوديتهم لله معاً، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
“إِنَّ اللَّهَ لاَ يَجْمَعُ أُمَّتِي، أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى ضَلاَلَةٍ، وَيَدُ اللهِ مَعَ الجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ” (الترمذي، الفتنة، 7/ 2167)
“الجماعة رحمة والفُرقة عذاب” (أحمد، 4، 278، 375)
إن الإسلام بأمره الناس بالصلاة في الجماعة وصلاة الجمعة والعيدين وفريضة الحج والزكاة والإنفاق والأضحية يحثهم على الاجتماع دائماً في العبادات وفي العلاقات البشرية أيضاً كتجهيز الجنازة والأعراس وعيادة المريض والمحافظة على إبقاء الروابط بين الأقارب قوية والاشتغال بالمحتاجين، ومن المؤكد وجود بعض الصعوبات الناجمة عن التعامل مع الناس لذا تحمّل الناس تتطلب منهم التضحية ويَعِدُ الإسلام المسلمين الذين يعيشون ضمن المجتع ويحمّلون أنفسهم عبء الغير بمكافأة كبيرة.
لقد كان نبينا صاحب الخلق واللطف صلى الله عليه وسلم لا يقلّل من شأن أي أحد من الناس حتى الفظّ منهم مع تعرضه لإساءاتهم بل كان يعاملهم بالحسنى. وقد آلم هذا الأمر عمه العباس رضي الله عنه فقال له: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَاهُمْ قَدْ آذَوْكَ وَآذَاكَ غُبَارُهُمْ، فَلَوِ اتَّخَذْتَ عَرِيشًا تُكَلِّمُهُمْ مِنْهُ؟” فَقَالَ:
“لَا أَزَالُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ يَطَؤُونَ عقِبِي، وَيُنَازِعُونِي رِدَائِي حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُرِيحُنِي مِنْهُمْ” (الدارمي، المقدمة، 14؛ ابن أبي شيبة، 7، 90؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى، 2، 193)
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم موصياً أمته بالشيء نفسه:
“المُسْلِمُ إِذَا كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ المُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ” (الترمذي، القيامة، 55/2507؛ ابن ماجه، الفتن، 23؛ أحمد، 2، 43)
إن الإسلام يوجه الناس إلى الفعاليات الاجتماعية وعيش حياة ديناميكية (حيوية) من خلال أمره بالعمل لتوفير الرزق وبالزواج لتأسيس أسرة وإنجاب أطفال وبالتصدق والعطاء واغتنامِ الوقت على نحو جيد وكذا يأمر باستغلال الدنيا بأقصى درجة للفوز بالآخرة، ويطلب منا تبليغ الحقائق إلى الجميع وإبعادهم عن الأخطاء، كما يأمرنا بالحفاظ على المال والنفس والعرض والشرف والنسل والوطن والدفاع عنها وهو يدفع الناس ليعيشوا حياة من النشاط والحيوية الاجتماعية والنهضة من خلال زرع فكرة أنه ما من خير يعمله أحدهم ولو كان مقدار ذرة ولا من شر ولو كان مثقال ذرة إلا وسوف يلقى جزاءه.[1]
والإسلام بحثِّه الناس على الاجتماعية لا يبعدهم مطلقاً عن عبادتهم وتفكرهم الفردي وهو ينصحهم بأن يؤدوا جميع فعالياتهم الاجتماعية في سبيل إرضاء الله تعالى وبنية العبادة له، ويريد منهم أن يواصلوا العيش بشعور الوجود مع الله تعالى حتى وهم مع العامة على أساس مبدأ “الاختلاء بالله في حضور الغير” وبتعبير آخر يعيشون ضمن إطار قاعدة “اليد واقعةٌ في همِّ الربح، والفؤاد في همِّ الحبيب”
ثم إن مسائل كالتفكر في الموت والإيمان بالقدر والتوكل والاستسلام لا توقع في العطالة واليأس مطلقاً كما يفهم البعض خطأً، بل على العكس إنه يعودهم على العمل بدقة أكثر وعزم أقوى وبطمأنينة القلب، فالإنسان الذي يتذكر الموت يعزم على القيام بعمل أكثر وأجود بعد استحضاره ضيق الوقت، ولايضيعه بأمور ليس ذات أهمية، وهو بذلك لا يقع في المعاصي التي يجره إليها كل من النفس والشيطان، إن المؤمن الذي يؤمن بالقدر ويعي التوكل والإذعان بحق يدرك عظم الخطأ إن هو قام بعمل يقدر عليه من غير أن يتوكل على الله تعالى، وبالتالي يرتاح المؤمن حين يترك النتائج على الله تعالى بعد قيامه بكل ما في وسعه، وغير المؤمن بالقدر والرافض للتوكل والاستسلام فما من أمر أفظع مما هو فيه، ومثل هؤلاء الناس يبقون في قلق دائم فيما يخص النتيجة المنتظرة لأعمالهم التي قاموا بها وفي حال ظهرت النتائج على خلاف ما يتوقعونه يصابون بانهيارات روحية كبيرة. وأما المؤمن والمصدق بالقدر والمستسلم لله تعالى فإنه حتى ولو لم يحصل على النتائج بعد القيام بمسؤولياته فهو يلقى الثواب بنيته وإلى جانب هذا يكون محمياً من الوقوع في الحزن الشديد وبعبارة أخرى يكون قد فاز من الناحية المادية والمعنوية أيضاً.