ج) تسليطه الضوء على الاكتشافات العلمية

يوجد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تسلط الضوء على التقدم العلمي والاكتشافات، وهذا من إخبار القرآن الكريم عن الغيب على نحو معجز.

إن غاية القرآن الأساسية هي تثبيت التّوحيد في القلوب وتوجيه وإرشاد الناس، ويقديم كل المواضيع التي تناولها على أساس هذه الغاية الرئيسية، وإلى جانب هذا فإن المعارف والمعلومات التي قدّمها للناس في المواضيع الدّاخلة في ميدان العلوم الطبيعية مطابقة للحقيقة. ولنعرض بعضاً من الأمثلة عليها:

يعطينا الإسلام بعض المعلومات الأصلية عن تناسل الإنسان وتشكل الجنين في الرحم والتي لم يتمكن الطب الحديث كشفها إلا متأخراً. وهذه المعلومات يفصِّلُها القرآن الكريم في الآية 5 من سورة الحج والآيتين 11 و 13 من سورة المؤمنون.

يعترف البروفسور الدكتور كيث ل. مور في أثره الذي صنفه في علم الأجنة بأن العلم مطابق للقرآن الكريم بل حتى أن القرآن يترأس العلم ويتقدمه بأمثلته وتعاريفه التي ذُكرت فيه وذلك بعدما أوضح الكاتب في أثره المراحل التي يمر بها الإنسان في الرحم وأعقب ذلك بأنه قارنها بما في القرآن الكريم. ونتيجة للأبحاث التي قام بها كيث أعجب ووقع في حيرة في الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، ومِن ثَمَّ صدق معجزة القرآن الكريم هذه الواردة من قبل 1400 سنة واطمأن لذلك، وقام بإضافة المعلومات التي حصل عليها من القرآن الكريم إلى الطبعة الثانية من كتابه المسمى (Before We Are Born: قبل أن نولد)، وعندما سئل: “كيف توضح وجود هذه المعلومات في القرآن؟” يجيب: “إن ذلك القرآن ليس إلا وحياً أنزل من قبل الله”[1]

لقد تم اكتشاف ازدياد عدد المخلوقات وابتعاد المجرات عن بعضها بسرعة هائلة في السنوات الأخيرة، حيث إن المجرات العظيمة تبتعد عن بعضها البعض مع البعد الكائن بينها على نحو متناسب خطياً، ووفق هذا القانون يوضح أن الكائنات جميعها من أولها إلى آخرها تحت تصرف قوة لا محدودة، فمثلاً: تبلغ سرعة ابتعاد مجرة تبعد عنا 10 مليون سنة ضوئية 250 كلم في الثانية، في حين مجرة أخرى تبلغ المسافة بيننا وبينها 10 مليار سنة ضوئية تبتعد هي الأخرى عنا بسرعة 000 250 كلم في الثانية. ويشار إلى هذ الأمر في القرآن الكريم على هذا النحو:

{وَالسِّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوْسِعُوْنَ} (الذاريات، 47)

إن ربنا عز وجل يحفظ الدنيا من النيازك وهي قطع تظهر من انفجار النجوم التي انتهت حياتها في السماء. وإن كوكبا المشتري وزحل بجاذبيتهما الكبيرة هما في موقع حارس لا يسمح للكثير من الأجسام بالمرور والتي قد تُلحِق الضرر بكوكب الأرض. وقد تظهر بعض النيازك التي تعبر هذين الكوكبين وتقترب من الأرض، وهذه المرّة يظهر أمامها حامٍ آخر وهو القمر، وبما أنه ليس له غلاف جوي فإنّ كل نيزك ساقط عليه يرتطم بسطحه، ويمكن رؤية الفوهات الناجمة عن الارتطام بسطح القمر حتى بواسطة منظار صغير. وأما النيازك المتجاوزة حاجز القمر تبدأ بالاحتراق عند اجتيازها الغلاف الجوي في حال لم تكن كبيرة جداً، فتتفتت النيازك الناجمة عن الحادثة التي نطلق عليها اسم: (الشهب) في طبقة الغلاف الأوسط إلى ذرات صغيرة كالغبار قبل وصولها السطح، ثم تتحول كل واحدة من هذه الذرات الصغيرة إلى نواة لحبيبات المطر. إن الغلاف الجوي يحمي الأرض من الإشعاعات الخطيرة الآتية من الفضاء أيضاً. ويشار إلى هذه الحقائق في القرآن الكريم في هذه الآية:

{وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} (الأنبياء، 32)

ومما مر يتضح أن القرآن الكريم في الوقت الذي يقوم فيه بتنظيم أفعال الإنسان وسلوكياته، يقوم من جهة أخرى بلفت الأنظار إلى أسرار الكائنات ويحثنا على قراءتها ككتاب وإظهار ما تحتويه من الأسرار بعد دراستها.

لقد جاء في القرآن الكريم:

{وَأرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مَنَ السَّمَاءِ مَاْءً فَأَسْقَيْناكموه وَمَا أَنتُم لَه بِخَازِنِيْنَ} (الحجر، 22)

ولقد اكتشف إلقاح الرياح للنباتات والسحب بعد انقضاء عصور على نزولها.

وفي الآيتين 19 و20 من سورة الرحمن:

{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ}، وهناك ما يشبه هذا في الآية 53 من سورة الفرقان والآية 61 من سورة النمل.

إن الحقيقة المبينة في هذه الآيات هي معجزة للقرآن الكريم في عصرنا هذا، حيث ثبت في الاكتشافات المؤخرة وجود سد مجهول أو ستارة غير مرئية في مضيق جبل طارق يحول دون اختلاط ماء بحر الأبيض المتوسط بماء الأطلسي، وبهذا فلا يختلط ماء كل من البحرين محافظاً على تكوينته الأصلية، وقد أثبت القبطان كوستيوا أنه فيما بعد عُثِر على مانع وحاجز في نقاط اجتماع ماء في كل البحار التي تختلف في التركيبات.

وقد رأى أ. براون آيات متعلقة بالبحر، وبعد التفكر في الآيات التي تتحدث عن استخراج اللحم الطازج واللؤلؤ والمرجان من الماء المالح والعذب، وتسيير الرياح السفن الشراعية، سأل أحد المسلمين القاطنين في أحد سواحل البحر في الهند بعد وصوله إليها:

“أرَكب نبيكم البحر وسافر فيه؟” فأجابه: “لا فما نعرفه أنه لم يسافر في البحر”، فأيقن البحار الانجليزي أن القرآن لم يؤت للنبي عليه الصلاة والسلام من طريق غير الوحي، وأسلم بعدما وجد أن كلام القرآن الكريم أصح وأدق معنى بعد أن قارن ما فيه بالتوراة والإنجيل، ثم ذهب إلى مصر والتقى بالعلماء.

يقول الأستاذ في الرياضيات غاري ميللر:

“كانت ثمة نظرية معروفة تتعلق بالذرة قبل نبوة محمد، كان قد طرحها ديموكريتوس فيلسوف يوناني، وقد أوضح من أتى بعده أن المادة مكونة من جزيئات صغيرة جداً لا ترى بالعين المجردة ولا تنقسم تسمى بالذرات، ولكن العلم الحديث أثبت أنه بإمكان الذرة الجزء الأصغر في المادة والحاملة لخصوصيات المادة نفسها الانقسام والتفرق بالشكل نفسه، وهذه المعلومة تعد اكتشافاً حصل نتيجة التطورات الجارية في العصر السابق فهو حقيقة علمية، إلا أنه مما يلفت الانتباه أن هذه المعلومات قد أعلمنا بها قبل 14 عصراً في القرآن الكريم بقوله تعالى:

{وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (يونس، 61)

تتحدث الآية عن مخلوقات أصغر من الذرة، وما من أدنى شك في أنه لا يمكن أن يكتب هذا أي كاتب عربي في هذا الوقت؛ لأن ما يُعرف حينها بصغره عندهم هو الذرة، وهذا دليل على أن القرآن الكريم لن يتقلص ولن يندرس على مدى الزمن.”[2]



[1] ـ غاري ميللر، The Amazing Qur’an ص: 34 ـ 39.

[2] ـ للتفصيل في موضوع القرآن والعلم يمكنكم النظر في:

Dr. Maurice Bucaille، La Bible le Coran et la science: les ecritures saintes examinees a la lumiere des connaissances modernes، Paris: Seghers، 1980 (The Bible، The Qur’an and science، trc. Alastair D. Pannell، Karaçi،);

Afzalurrahman، Quranic Sciences، London 1981;

İmaduddin Halil، “The Qur’an and Modern Science: Observations on Methodology”، The American Journal of Islamic Social Sciences، 1991، Vol. 8، No. 1، s. 1-13;

 أ. د. وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى، اسطانبول، 1996.