يترك القرآن الكريم الإنسان عاجزاً عن الإتيان بما يشابهه، في الكثير من جوانبه من نظم وفصاحة وبلاغة وتأثير على القلوب إلى جانب ميزة وضع القوانين (التشريع) وإخباره بالغيب.[1]
لقد تحدّى الله تعالى المشركين لمّا لم يؤمنوا بالقرآن الكريم، حيث طلب منهم الاستعانة بكل ما شاؤوا من المخلوقات والإتيان بكتاب مماثل للقرآن الكريم، وفي حال عجزوا عن ذلك فعشر سور منه وإلا فواحدة،[2] وفي آخر المطاف فإن عجزوا عن الإتيان بمثله فبما يشبهه:
{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُوْرَةٍ مِنْ مِثْلِه وَادْعُوْا شُهَدَاءَكُم مِنْ دُوْنِ اللهِ إِنْ كُنْتُم صَادِقِيْنَ فَإِنُ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ التِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكاَفِرِيْنَ} (البقرة، 23-24)
وعبارة “ولن تفعلوا” الأخيرة هي من اليقين والقطعية حيث لا يمكن ظهور حكم كهذا إلا من ذاتٍ لا يحدُّ علمها وقدرتها كاملة لا يشوبها أيُّ نقص؛ أي من الله تعالى.كما أنه في الحقيقة ليس بإمكان أيِّ أحدٍ التنبؤ بالغيب واستخدام عبارات تفيد القطع، ولا يمكن إطلاق حكم من البشر يتعلق بالمستقبل المجهول والمغيب على هذا النحو من البتِّ.
إن النصوص الإلهية المظهرة عجزهم بلغت منهم كل مبلغ فأثار ذلك حميتهم وزاد من إصرارهم، لكنهم لم يتمكنوا من إجابته بأي شيء. فتحدثت هذه الآية عن عجزهم وتناقلته الأفواه عبر القرون والأحقاب حتى فاضت به الآفاق، فسجلت ضعفهم وكأنها ختمت على ألسنتهم.[3]
ثم إن المشركين لما عجزوا عن مقابلة تحدي القرآن لهم قاموا بدلاً عن ذلك بتصرفات ومعاملة عدوانية كتكذيبه والتحريض ضده والاحتقار والافتراء. ولكنهم بقولهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيْهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُوْنَ} (فصلت، 26) مهما كانوا منكرين ولكنهم في الحقيقة أبدوا انهزامهم الكلي أمام القدرة الإلهية. وانهزامهم هذا لا يزال حتى يومنا هذا.