لقد منّ الله تعالى على الناس بأوصاف عالية ونعم لا تحصى لحكمة بالغة، وإنه تعالى يريد من عباده أن يطيعوا أوامره، ويعد من يطيع أوامره بالثواب، ويتوعد من يعصيها بالعقاب، وذلك في الآخرة، فهي يوم الحساب العظيم الذي يتحقق فيه وعد الله تعالى، وتظهر فيه الأعمال الدنيوية وتلقى جزاءها ولو كانت مثقال ذرة من خير أو شر.
يقول محمد سعيد رمضان البوطي:
“وهذا الإنسان الذي يعيش في وجود الله تعالى متألهًا متجبراً، أسكرته تلك المواهب الإلهية المودعة في كيانه، يطغى على أخيه الإنسان بالقتل والظلم وشتى مظاهر الحيف والجور، وهذا الآخر الذي عاش مهيضاً مستضعفاً تحت سلطانه وبطشه، فلم يشعر من الدنيا إلا بما فيها من ضنك وبؤس، على حين لم يشعر الآخر إلا بما فيها من رفاهية ونعيم. هل تنتهي قصتهما بالوصول إلى غلاف الموت دون أن تأتي من وراء ذلك تتمة تعيد الحق إلى نصابه وتكشف عن سيادة العدل على الظلم والجور؟ وهل رأى أحد من الناس مسرحية مثلت أمام المشاهدين من فصل واحد، ثم أسدل الستار وانتهت القصة وإن حوادثها لاتزال مجزأة معلقة، ولاتزال الأفكار متطلعة منها إلى تفسير ماظل مبهماً وتتميم مابُتِر مجزءاً، ولاتزال الأعصاب مشدودة إلى معرفة المرمى والمغزى من القصة وكاتبها؟!
إن طفلاً عاقلاً من الناس لا يؤلف في مدرسته مسرحية بهذا الشكل، أفيقيم الله الحكيم الخبير قصة كونه العظيم هذا على مثل هذا العبث العجيب الذي يتنزه عنه الأطفال؟!”[1]
إن كان الله تعالى الخالق لهذه الدنيا التي نعيش فيها على أكمل وجه يعد أنه سيخلق عالماً مختلفاً اسمه الآخرة فإنه لا حق لنا في التشكيك بذلك لأن الله تعالى لا ينفك يثبت لنا قدرته على ذلك في كل آن، يقول أبو رزين العقيلي رضي الله عنه: قُلْتُ: “يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟” فَقَالَ:
“أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي أَهْلِكَ مَحْلًا؟” قَالَ: بَلَى، قَالَ: “أَمَا مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟” قَالَ: قُلْتُ: بَلَى قَالَ:
“فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَذَلِكَ آيَتُهُ فِي خَلْقِهِ” (أحمد، 4، 11؛ الحاكم، المستدرك، 4، 605 / 8682)
وعليه فإنه سيأتي يوم تقوم فيه القيامة وتصل فيه الحياة الدنيوية إلى نهايتها، وعندها تبدأ الحياة الأخروية فيحاسب الناس على ما فعلوه في دنياهم بعد بعثهم من جديد، فيدخل من آمن وعمل صالحاً الجنة، ومن أنكر إلى جهنم، وأما من آمن وعصى أوامر الله تعالى فأذنب فإما أن يعاقب في جهنم على ما اقترفه من المعاصي وإما أن يتغمده الله برحمة من عنده ويدخله الجنة مباشرة.