كان صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يحبونه حباً شديداً، حيث يخاطبونه على الدوام ب”فداك أبي وأمي ونفسي وكل ما أملك يا رسول الله”، وكانوا يضحون بأنفسهم كي لا يصاب عليه الصلاة والسلام بأي أذى ولو شوكة تصيب قدمه، لقد استشهد زيد بن الدثنة وحبيب رضي الله عنهما تحت التعذيب الذي تعرضا له من قبل المشركين إذ وقعا في أسرهم، ويقال لكل منهما قبل استشادهما:
“فَتُحِبّ أَنّ مُحَمّدًا فِي مَكَانِك وَأَنْتَ جَالِسٌ فِي بَيْتِك؟” قَالَ:
“وَاَللهِ مَا أُحِبّ أَنْ يُشَاكَ مُحَمّدٌ بِشَوْكَةٍ وَأَنَا جَالِسٌ فِي بَيْتِي”
ويعقب أبو سفيان الذي تلفه الدهشة والحيرة من هذه الصورة التي لا مثيل لها في المحبة فيقول:
“لَا، مَا رَأَيْنَا أَصْحَابَ رَجُلٍ قَطّ أَشَدّ لَهُ حُبّا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ بِمُحَمّد” ( الواقدي، 1، 360 ـ 362؛ ابن سعد، 2، 56)
وخرجت أم سعد بن معاذ تعدو نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على فرسه، (عائد من غزوة أحد) وسعد بن معاذ آخذ بعنان فرسه، فقال سعد: يا رسول الله، أمي، فقال صلى الله عليه وسلم: “مرحبًا بها”، فدنت حتى تأملت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:
“أمّا إذا رأيتك سالماً فقد أشوت[1] المصيبة”، فعزاها رسول الله بعمرو بن معاذ ابنها، ثم قال: “يا أم سعد، أبشري وبشري أهليهم أن قتلاهم قد ترافقوا في الجنة جميعاً، وقد شفعوا في أهليهم”، قال: “رضينا يا رسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟!” ثم قالت: “يا رسول الله ادعُ لمن خلفوا منهم”، فقال صلى الله عليه وسلم:
“اللهم أذهب حزن قلوبهم واجبر مصيبتهم وأحسن الخلف على من خلفوا” ثم قال لسعد بن معاذ: “خل يا أبا عمرو الدابة”، فخلى الفرس، وتبعه الناس. فقال رسول الله له: “يا أبا عمرو، إن الجراح في أهل دارك فاشية وليس فيهم مجروح إلا يأتي يوم القيامة جرحه كأغرز ما كان، اللون لون دم والريح ريح المسك، فمن كان مجروحاً فليقر في داره وليداو جرحه، ولا يبلغ معي بيتي، عزمة مني!” فنادى فيهم سعد: “عزمة رسول الله، ألا يتبع رسول الله جريح من بني عبد الأشهل!” فتخلف كل مجروح، وإن فيهم لثلاثين جريحاً، ولكن سعد بن معاذ مضى معه إلى بيته. (الواقدي، ، 315 – 316؛ الدِّيار بَكْري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس، 1، 444)
لقد جاءت آخر قوافل المهاجرين إلى الحبشة أثناء غزوة خيبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق البحر، وَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ من الحبشة عَلَى حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَائِرَةً، فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفْصَةَ، وَأَسْمَاءُ عِنْدَهَا، فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ: “مَنْ هَذِهِ؟” قَالَتْ: “أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ”، قَالَ عُمَرُ: “الحَبَشِيَّةُ هَذِهِ البَحْرِيَّةُ هَذِهِ؟” قَالَتْ أَسْمَاءُ: “نَعَمْ”، قَالَ: “سَبَقْنَاكُمْ بِالهِجْرَةِ، فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْكُمْ”، فَغَضِبَتْ وَقَالَتْ: “كَلَّا وَاللَّهِ، كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ، وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا فِي دَارِ -أَوْ فِي أَرْضِ- البُعَدَاءِ البُغَضَاءِ بِالحَبَشَةِ، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَايْمُ اللَّهِ لاَ أَطْعَمُ طَعَامًا وَلاَ أَشْرَبُ شَرَابًا، حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنُخَافُ، وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْأَلُهُ، وَاللَّهِ لاَ أَكْذِبُ وَلاَ أَزِيغُ، وَلاَ أَزِيدُ عَلَيْهِ”، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: “يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ عُمَرَ قَالَ: كَذَا وَكَذَا؟” قَالَ: “فَمَا قُلْتِ لَهُ؟” قَالَتْ: “قُلْتُ لَهُ: كَذَا وَكَذَا”، قَالَ: “لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ، وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ -أَهْلَ السَّفِينَةِ- هِجْرَتَانِ”، قَالَتْ:
“فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأْتُونِي أَرْسَالًا، يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، مَا مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلاَ أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الحَدِيثَ مِنِّي” (البخاري، المغازي، 36، مسلم، فضائل الصحابة، 169)
فمحبة الصحابة البالغة هذه نلاحظها بوضوح في احترامهم وفي دقتهم الظاهرة أثناء قراءتهم الأحاديث وروايتهم لها، حيث كان يبلغ الخوف من أن يخطؤوا في رواية الأحاديث حداً ترتعد معه ركبهم وتصفر وجوههم، يقول عَمْرو بْن مَيْمُونٍ:
“مَا أَخْطَأَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ عَشِيَّةَ خَمِيسٍ إِلَّا أَتَيْتُهُ فِيهِ، قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِشَيْءٍ قَطُّ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ عَشِيَّةٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، قَالَ: فَنَكَسَ، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَهُوَ قَائِمٌ مُحَلَّلَةً أَزْرَارُ قَمِيصِهِ، قَدْ اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، قَالَ: «أَوْ دُونَ ذَلِكَ، أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، أَوْ شَبِيهًا بِذَلِكَ»” (ابن ماجة، المقدمة، 3؛ أحمد، 1، 452)[2]
ويا لها من حال محبة تبعث إلى الاتعاظ ما بينّه لنا أحد تلامذة يامان دادا الذي كان أرثوذكسيا يعرف باسم ديامندي فيما سبق، إلا أنه غدا عاشق النبي المكتوي والمؤمن البكاء بعدما تعرف على مثنوية حضرة مولانا:
” ذات يوم فرغت الدروس، وخرجنا من المدرسة، فكنت متوجهاً وقت الظهيرة إلى منطقة تقسيم، وكان ثمة مسجد بالقرب من السفارة الألمانية، فنظرت وإذا أنا بيامان دادا، وهو مستند على جدار المسجد، وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، منهك، مجهداً، قد أحنى رأسه المائل إلى جهة اليمين، و أحنى رقبته وهو يبكي، فأسرعت راكضاً نحوه، وقلت:
” لماذا تبكون يا أستاذي؟ أأصابكم أمر ما؟” فأجابني بصوت خافت ومرتجف:
“لا يا بني، لا! إنما أفقد السيطرة على نفسي حين يخطر رسول الله صلى الله عليه وسلم في بالي، وأعجز عن الوقوف على قدمي، فإما أن أستند إلى شيء ما وإما أن أجلس”. (مصطفى أوزدمير، يامان دادا، إسطانبول 1994، ص: 191 ـ 192)
[1] ـ أصبحت صغيرة خفيفة. ويقال: رمى فأشوى إذا لم يصب المقتل.
[2] – وللاطلاع على الأمثلة الغنية التي تعبر عن المحبة العميقة الموجهة إلى رسولنا الكريم على مدى التاريخ انظروا: خليل ابراهيم ملا خاطر، محبة النبي وطاعته بين الإنسان والجماد، دار القلم العربي، 1996؛ عثمان نوري توب باش، مدنية الفضائل، 1، 223 – 265، / 8 / 148 http : //www . islamiyayinlar. net / content / view /