ليس القرآن الكريم بشعر ولا نثر، بل هو أثر لا نظير له في أسلوب يضم مزايا في بنيته. وله روعة لا توجد في الشعر والموسيقا، فما مِن رتابة تنجم عن قراءته أو الاستماع إليه على الدوام، حيث تأخذ كل واحدة من حواس الإنسان نصيبها منه بدرجة متساوية.[1]
“إن القرآن الكريم يتناول من الكلمات المترادفة أدقّها دلالة، وأتمها تصويراً بالنسبة إلى نظائرها. فإذا استنفدت اللغة طاقتها ولا تزال بقية من المعنى أو الصورة شاردة وراء حدود اللغة، اتسعت لها الكلمة القرآنية وشملتها عن طريق ما تتسم به من جرس ووزن وإيقاع. ولن تعثر مهما حاولت على أي ضابط لهذا الجرس والوزن والإيقاع، مؤملاً أن تطبقه في كلامك وتعبيرك. إنما هو الإحساس الذي يفيض به شعور القارىء عند تلاوته لهذه الكلمات أو سماعه لها مسبوكة مع بعضها، قائمة ضمن هيكلها القرأني الفريد”[2]
يقول ابن عطية: “والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يصنع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا، ثم تعطى لآخر نظيره فيأخذها بقريحة جامة فيبدل فيها وينقح ثم لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل، كتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد. ونحن تبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة وميز الكلام”[3]
إن القرآن الكريم إلى جانب كونه متفرداً بأسلوب يختص به مختلف عن أنواع الأدب المعروفة فإنه يضم جميع أنواع الأدب هذه على النحو الأفضل. ويفيد مواضيع كالقصة والموعظة والتاريخ والتشريع والجدل والمناظرة والآخرة والجنة والنار وآيات الترغيب والترهيب ضمن أسلوب خاص متكامل في أعلى المعاني وفي أعلى مستوى من البلاغة والفصاحة.
يؤثر القرآن الكريم على القلوب: ورد أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكلٌّ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: “لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً” ثم انصرفوا… حتى إذا كانت الليلة الثانية والثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: “لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود”، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرّقوا.[4]
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: {فَاصْدَعْ بمَا تُؤْمَرْ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِيْنَ} (الحجر، 94) فَسَجَدَ وَقَالَ: “سَجَدْتُ لِفَصَاحَتِهِ” وَكَانَ مَوْضِعُ التَّأْثِيرِ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ هُوَ كَلِمَةَ اصْدَعْ فِي إِبَانَتِهَا عَنِ الدَّعْوَةِ وَالْجَهْرِ بِهَا وَالشَّجَاعَةِ فِيهَا، وَكَلِمَةَ بِما تُؤْمَرُ فِي إِيجَازِهَا وَجَمْعِهَا.
وَسَمِعَ آخَرُ رَجُلًا يَقْرَأُ:
{فَلَمَّا اِسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوْا نَجِيَّاً} (يوسف، 80)
فَقَالَ: “أَشْهَدُ أَنَّ مَخْلُوقًا لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ”[5]
وإن الأعراب كانوا البالغين القمّة بين الناس في البلاغة والفصاحة.
ثم إن القرآن الكريم في الوقت ذاته يخاطب الناس أجمعين على اختلاف أمكنتهم وأزمنتهم ومستوياتهم العلمية بما يتناسب ومستواهم العلمي، فقد تكون آية ما متعددة المفاهيم بحيث يمكن أن تفهمها الأجيال الأولى على حسب أوضاعها والأجيال الآتية بعدها تفهمها بما وصلت إليه من المستويات العلمية.
يقول مصطفى صادق الرافعي الأديب الكبير:
“من معجزاتِ القرآن الكريم أنه يدَّخرُ في الألفاظِ المعروفة في كل زمنٍ، حقائقَ غيرَ معروفةٍ لكلِّ زمنٍ، فيجليها لوقتها حين يضجُّ الزمانُ العلميُّ في متاهتِه وحيرتِه“[6]
[1] ـ البروفسور. د. محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم، دار القلم، ص: 102.
[2] ـ البوطي، من روائع القرآن، ص: 140.
[3] ـ ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، بيروت، 1413، 1، 52.
[4] ـ ابن هشام، 1، 337 ـ 338؛ تاريخ الطبري، 2، 218 ـ 219؛ ابن الأثير، الكامل، 2، 63-64؛ ابن سيّد الناس، عيون الأثر، 1، 99؛ الذهبي، تاريخ الإسلام، ص: 160 ـ 161؛ ابن كثير، البداية، 3، 47؛ الحلبي، 1، 462.
[5] ـ ابن عاشور،1، 107.
[6] ـ وحي القلم، الكويت، 2، 66.