2. فترة النبوة

وأخيراً لَمَّا وصل إلى الأربعين من عمره، أكرمه تعالى بالنبوة بأمر:

{اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (العلق، 1 – 2)

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: “لَمَّا نَزَلَتْ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} (الشعراء، 214)، صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي: «يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ» -لِبُطُونِ قُرَيْشٍ- حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ:

«أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا:

“نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا”، قَالَ:

«فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: “تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟” فَنَزَلَتْ:

{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} (المسد) (البخاري، التفسير، 26/ 2، أحمد، I، 159، 111)

ومنذ ذلك الوقت والرسول صلى الله عليه وسلم لم يتوانَ ولم يتراجع عن الدعوة إلى الحق ولو للحظة على الرغم من الأذى والقسوة التي قوبل بها من قومه. فكان يقصد الأبواب واحداً تلو الآخر، ويزور قوافل الحجاج ويطوف على الأسواق. ويدعو الناس إلى الهداية كلما سنحت له الفرصة، لا يعرف كللاً ولا مللاً، فكان يُخبر بالحقائق نفسها مراراً وتكراراً حتى الذين عادوه أشد العداوة، فيقول عليه الصلاة والسلام:

{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} (ص، 86) موضحاً أنه يبلّغ ما كلفه الله تعالى به ابتغاء وجهه تعالى، وأما الكافرون فكانوا لا يفتؤون يطالبونه بالمعجزات، يقول تعالى:

{…قُلْ سُبْحَانَ رَبِي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرَاً رَسُوْلَاً وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرَاً رَسُوْلَاً قُلْ لُوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُوْنَ مُطْمَئِنِّيْنَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِنَ السَّمَاءِ مَلَكَاً رَسُوْلَاً} (الإسراء، 93 ـ 95)

كان النبي صلى الله عليه وسلم أمّيّاً، لا يعرف القراءةَ والكتابة كالكثير من الناس آنذاك، وبالتالي فمحال أن يكون قد أخذ ما يحدث به من أي كتاب أو عن أي أحد. ومبادرة رجل أمّي بعد بلوغه الأربعين من عمره فجأة بإعطاء معلومات غاية في الأهمية بأسلوب عال من البلاغة والفصاحة لا يمكن حدوثه إلا عن طريق الوحي السماوي. وقد كان جميع أعداءه عليه الصلاة والسلام يعلمون هذا ويقبلون به، يقول الحق تعالى في القرآن الكريم:

{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو قَبْلَهُ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِيْنِكَ إِذَاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُوْنَ} (العنكبوت، 48)

كان المشركون على معرفة بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وموقنين بقلوبهم أنه لا يقول إلا الصدق، إلا أنهم لم يرغبوا بالتخلي عن بعض المنافع الدنيوية والشهوات النفسية التي حصّلوها من غير وجهها المسموح به. وهكذا فقد مر النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم بأبي جهل وأصحابه من ألدّ الأعداء، فقالوا:

“يَا مُحَمَّدُ إِنَّا وَاللَّهِ مَا نُكَذِّبُكَ، وإنك عندنا الصادق، وَلَكِنْ نُكَذِّبُ مَا جِئْتَ بِهِ” فَنَزَلَتْ:

{فِإِنَّهُمْ لَايُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظَّالِمِيْنَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُوْنَ}”  (الأنعام، 33) (الواحدي، أسباب نزول القرآن، ص: 219؛ الترمذي، التفسير، 6/3064)

فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل، فقال: “يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا!” فقال أبو جهل:

“وَيْحك، والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمّد قط، ولكن إذا ذهب بنو قُصَيِّ باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟” (الطبري، جامع البيان، 11، 333، الأنعام، 33)

كَانَ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ يكذب النبي صلى اللَّه عليه وسلم فِي الْعَلَانِيَةِ، وَإِذَا خَلَا مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ، قَالَ:

“مَا مُحَمَّدٌ مِنْ أَهْلِ الْكَذِبِ، وَلَا أَحْسَبُهُ إِلَّا صَادِقًا” (الواحدي، أسباب نزول القرآن، ص: 219)

ولقد حاول المشركون جاهدين جعل النبي صلى لله عليه وسلم يتخلى عن دعوته، فكلموا عمه أبا طالب الذي يحبّه كثيراً، وعرضوا عليه أموراً يغرونه بها كالملك والمال والزواج بأجمل بناتهم حتى قالوا “نحن مستعدون لفعل كل ما تطلبه منا”، فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بجواب غاية في الوضوح والدقة:

“مَا أدري مَا تَقُولُونَ، مَا جِئْتُكُمْ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَطْلُبُ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا الشَّرَفَ فِيكُمْ، وَلَا الْمُلْكَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ كِتَابًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أكون لكم بشيرا ونذيرا، فَبَلَّغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوا مِنِّي مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ”  أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (سيرة ابن اسحاق، ص: 198؛ ابن كثير، البداية، 3، 99 – 100)

ولَمّا لم يتمكنوا من تسوية الأمر بينهم وبينه عليه الصلاة والسلام لجؤوا إلى أعمال الترهيب، فزادوا من حدة الأذى والتعذيب للمسلمين يوماً بعد يوم، فهاجر بعض المسلمين إلى بلاد الحبشة التي يحكمها ملك عادل آنذاك.